الاثنين، 17 ديسمبر، 2007

تقديم : بقلم الدكتور عبد الحميد ابراهيم

تقديم

بقلم الدكتور عبد الحميد إبراهيم

قرأت له ولم أره ، سمعت عنه ولم أشاهده .
قرأت له قصصه القصيرة التى كان ينشرها فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى ، وذلك أثناء تحضيرى لرسالة الدكتوراه تحت عنوان "القصة المصرية وصورة المجتمع الحديث " .
وسمعت عنه من الأدباء فى جلساتهم الخاصة وفى أحاديثهم العامة ، وهم يتحدثون عن كبريائه ونبله وبعده عن الأضواء واعتزازه بالنفس .
ثم رأيته يدخل علينا دار الأدباء فى أوائل الستينيات كان مهيبا ، أسمر اللون وجلس بيننا وأقبلت عليه وأنا شاب صغير أحدثه عن قصصه القصيرة من أمثال "رجل" و"الرحيل" و"الأعمى" . سمع حديثى بكل تواضع وقال مالك تنقب عن هذه القصص القديمة والمنشورة فى صحف محفوظة فى دار القلعة فى ذلك الحين . وانتهى الحديث معه وأنا ممتلئ به إعجابا وعرفت لماذا يتحدث عنه الأدباء بكل تقدير واحترام .
* * *
وتأتى سيرته الذاتية التى قام على إعدادها الأستاذ على عبد اللطيف لتكشف لنا عن أبعاد تلك الشخصية الثرية ، ونعرف العوامل التى تضافرت على تكوين شخصيته ، والتى انعكست على فنه القصصى .
تهيأت عوامل كثيرة بيئية وثقافية وتاريخية لتكوين شخصية محمود البدوى.
فهو رجل نشأ فى صعيد مصر ومن أسرة غنية قوية تؤمن بالتقاليد والاعتزاز بالنفس ، وقد امتص البدوى معطيات هذه البيئة وتفاعل معها ، وكون له صداقاته الكثيرة ، وتزوج منها ، وظلت علاقاته معها متنامية حتى أواخر حياته .
هو إذن لم يرفض هذه البيئة كما فعل الكثيرون من أبناء جيله الذين كانوا يتعالون على الفلاحين ، وينطقون بلهجات فيها لكنه أجنبية ، أو على الأقل لكنه قاهرية لكى يثبتوا تفوقهم وتميزهم على تلك البيئات التى يظنها البعض أنها متخلفة ، ويراها البعض الآخر ، ومنهم محمود البدوى أنها تحمل موروثات ثقافية وتعكس امتدادا تاريخيا ، يمكن أن ينطلق منه الأديب وأن يطوره .
ومحمود البدوى سافر بعد ذلك إلى القاهرة ، واختلط بأدباء عصره ، وعقد صداقات متميزة مع الكثيرين منهم ، وخاصة مع محمود محمد شاكر ومحمود تيمور ويوسف السباعى ويحى حقى وأمين يوسف غراب وعبد الرحمن الشرقاوى ، موسى صبرى ، ثروت أباظة ، واندمج البدوى فى البيئة القاهرية التى كانت تزخر فى أوائل القرن العشرين بالنشاط الثقافى الحيوى ، وبالندوات المتعددة وبالحوارات الكثيرة بين النقاد والمبدعين ، ممن كانت تعتز بهم الصحافة الأدبية فى ذلك الحين وتنشر لهم . أخذ البدوى يعيش فى تلك البيئة ، يكتب ، ويترجم ، ويحضر الندوات ، ويراسل الأدباء والأصدقاء .
ولم يكتف البدوى ببيئته الصعيدية ، أو ببيئته القاهرية ، بل تطلع إلى السفر للخارج لكى يكمل ثقافته ، ويثرى من رؤيته . كان الرجل على وعى تام بأن الثقافة يجب أن تكتمل ، وأن تجمع بين الإنسانية والمحلية ، لقد أدرك منذ فترة مبكرة أن المحلية وحدها لا تكفى ، وأن العالمية وحدها لا تكفى ، وأن اجتماع الأمرين هو السبيل الوحيد لتحقيق الأدب الحى الخالد ، كان يدرك أن المحلية وحدها ضيق فى الأفق وقصور فى النظرة ، تجعل الأديب ينظر إلى تحت قدميه، ولا تساعده على تطوير بيئته ، ولا على تطوير الثقافة ، الشعبية والعطاء المكانى المحدود ، وكان يدرك أيضا أن العالمية وحدها قد توقعه فى التجريديات وفى الفلسفات التى تبعده عن أبناء جيله وتعزله عن واقعه الحى، فلا يستطيع معرفة همهمات الجماهير ولا يستطيع أن يتنبه بأحلامهم ، وأن يطور هذه الأحلام فى بناء قصصى متماسك .
ومن هنا نرى محمود البدوى يتنبه للبعد الثالث فى تكوين ثقافته ، فنراه يتطلع إلى سفريات كثيرة خارج مصر ، وفى أحيان كثيرة كان يقوم بهذه السفريات على حسابه الخاص ، سافر إلى أماكن كثيرة ، واختلط بشخصيات عديدة ، وجذبته الباخرة والميناء ، وانعكس ذلك على كثير من قصصه وأعماله الأدبية .
تضافرت هذه العوامل الثلاثة المتمثلة فى البيئة الصعيدية أولاً ، وفى البيئة القاهرية ثانيا ، وفى السفريات للخارج ثالثا وأخيرا ــ تضافرت هذه العوامل الثلاثة فكونت شخصيته الثقافية المتميزة ، والتى جعلته مصدر إحترام من أبناء عصره ، ومن الباحثين الشبان الذين يؤرخون للحركات الأدبية بكل موضوعية ويعطون لكل رائد حقه ومكانته التى يستأهلها بسبب موهبته ورعايته لهذه الموهبة .
* * *
وانعكست تلك الشخصية المميزة لمحمود البدوى على فنه القصصى ، وهنا مبلغ الصدق الذى لا يتوافر عند الكثيرين ، وهو صدق ناتج عن أن الشخصية تندمج مع الإبداع ومن أن الإبداع هو جزء من الشخصية ، مما يدل على أن هذا الكاتب لا يكتب من أجل التسلية وإزجاء الفراغ وإنما يكتب لأن الكتابة عنده جزء من شخصيته ، أو بعبارة أخرى لأن الشخصية عنده إندمجت فى رسالته الأدبية . وفى فنه القصصى ، فأصبح الأمران الشخصية والإبداع لا ينفكان لأنهما تركيبة واحدة .
ويمكن أن نرصد انعكاس شخصيته على فنه الإبداعى خلال أربعة محاور ، هى كما يلى :
1 ــ تنوع الشخصية عند محمود البدوى ، فقد كتب الرجل ما يزيد عن 375 قصة ، تنوعت فيها الشخصية التى التقطها من تجاربه ومن حياته ، فهناك شخصيات من الصعيد ، وهناك شخصيات من القاهرة ، وهناك شخصيات من الإسكندرية ، وهناك شخصيات من هونج كونج ، وهناك شخصيات من اليابان ، وغير ذلك من شخصيات مختلفة ومتنوعة ، وتدل على تجارب هذا الفنان الكثير وانتقالاته من مكان إلى مكان ، وهو حين ينتقل من بيئة إلى بيئة ، ومن مكان إلى مكان ، لا تمر التجارب عليه ملساء ، ولكنه يهضمها ويمتصها ويلتقطها بعين راصده ، ثم يعيد خلقها من جديد ، حقا هو يبدأ من الواقع ، وحقا هو يلاحظ ما حوله ، ولكنه يهضم كل ذلك ويعيد خلقه من جديد ، فتتحول الشخصية عنده إلى شىء جديد وإن كان يعتمد على ملاحظاته الخارجية .
2 ــ وهذا المحور الثانى يمثل أهمية خاصة لأنه يتعلق بالشكل عند محمود البدوى ، والأدب كما نعرف جميعا هو شكل وصياغة وأسلوب ، فليس الأدب هو مجرد محاكاة للواقع ، أو هو مجرد التقاط التجربة من الواقع ، ولكنه فى المقام الأول هو خلق للواقع وصنع للتجربة . إن الشخصية عند محمود البدوى ذات مستوى فنى خاص يجعله مميزا بين أبناء جيله .
كثير من الكتاب ممن عاصروا محمود البدوى ، كانوا يلتقطون شخصياتهم من الواقع ، ويصورونها على الكتب كما هى ، مع تطعيمها ببعض الأساليب الجميلة أو بنوع الإثارة . وهم هنا يشبهون كتاب الحوادث فى الصحف اليومية ممن يسجلون الحوادث التى تقع فى الشارع أو فى البيت ويقدمونها للقارئ بصورة مثيرة وبأسلوب صحفى . وقد إنتشر هذا الاتجاه بنوع خاص مع بزوغ مدرسة الفجر فى أوائل القرن العشرين ، وقد كانوا ينشرون قصصهم فى صحيفة الفجر وهى قصص مستقاة من الواقع دون أن تحمل آفاقا إنسانية أو بعدا فلسفيا ، وقد ورد عن بعض الكتاب فى ذلك العصر أنه كان يحمل ورقة وقلما ويتجول فى حى الأزبكية أو فى الأحياء الأخرى ويسجل ما يراه فى الواقع . ويمكن أن نضرب مثالا على هذا الاتجاه من بعض قصص محمود طاهر لاشين ، والتى نشرها فى مجموعاته القصصية ، وكان يتحدث فيها عن مشكلات إجتماعية مثل مشكلة تعدد الزوجات ، أو إهمال الأبناء ، أو شرب الخمر ، أو غير ذلك من مشكلات إجتماعية . والكاتب هنا أشبه بالمصلح الاجتماعى الذى يعرض بعض المشكلات الاجتماعية ويحاول أن يقدم لها بعض الحلول على هيئة عظة أو نصح .
وفى مقابل ذلك ، نجد بعض الكتاب يميل إلى عرض المشكلات الإنسانية التجريدية ، إن جذوره لا ترتبط بالواقع ، بل هو يتعالى على الواقع وينسحب من المشكلات الاجتماعية ويشغل نفسه بالحديث عن مسائل فلسفية عامة أو غرائز إنسانية تشمل البشر جميعا ، ولا تنطبق على بيئة دون الأخرى . ويمكن أن نضرب مثالا على ذلك بالأستاذ إبراهيم المصرى الذى كان يكتب فى الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية ، ويتناول قصص الحب الإنسانى ، ويحللها بطريقة فلسفية ، إن الكاتب هنا أشبه بالفيلسوف الذى يتعامل مع قضايا عامه ومع مشكلات إنسانية تشغل البشر فى كل مكان وزمان .
قلت إذن هناك تطرفين عند بعض الكتاب المعاصرين للأستاذ محمود البدوى ، وبعض الكتاب أشبه بالمصلح الاجتماعى الذى تشغله قضايا واقعية. وبعض الكتاب أشبه بالفيلسوف المتعالى الذى تشغله هموم إنسانية عامة . ولكن محمود البدوى شق له طريقا مميزا بين هؤلاء الكتاب ، وهو طريق يجمع بين الخاص والعام ، بين الواقع والرؤيا الفلسفية دون أن يطغى أحدهما على الآخر ، لقد كان يقدم طبخة ماهرة يندمج فيها العام مع الخاص ، وتخرج القصة فى النهاية مسبوكة حية لا تحس فيها بطغيان جانب على حساب الجانب الآخر ، إنه يلتقط قصصه من واقعه ومن تجاربه الخاصة ، ولكنه يتعالى بها درجة فدرجة ، وقطرة فقطرة ، ويصعد بها إلى رؤية فلسفية منتزعة من الواقع ومندمجة به ـ إن قصته "الأعمى" ، وهى من أوائل قصصه التى ظهرت فى أوائل الثلاثينيات ــ إن قصته هذه كما ذكر فى أكثر من مناسبة تدور حول شخصية التقى بها فى قريته ، وهو مؤذن المسجد ، ولكن محمود البدوى لا يقف عند هذه الشخصية الطريفة والتى هى من مخزون ذكرياته ، كما كان يفعل محمود تيمور فى مجموعاته المبكرة مثل الشيخ جمعة ومحمد متولى والمهدى، وغير ذلك من مجموعات قصصية كان فيها محمود تيمور ينجذب نحو شخصية طريفة أو مثيرة ، أو تحمل له ذكريات خاصة ، فيقدمها كما هى ـ أقول إن محمود البدوى لم يقف عند هذه الشخصية الطريفة والتى هى من مخزون ذكرياته ، بل تصاعد بها إلى رؤية إنسانية ، وتعرض فيها لقوة الغرائز التى قد توقع الإنسان الضعيف فى بعض الخطايا ، وأضاف إلى ذلك قدرًا من التحليل النفسى، هز تركيبه الأعمى وجعلته يسقط فى نهاية القصة.
3 ــ إن التحليل النفسى لا يقف عند شخصية الأعمى فحسب ، بل هى ظاهرة تميز معظم قصص محمود البدوى ، وهنا يمكن التحدث عن المحور الثالث فى قصص محمود البدوى ، وهو محور يتعلق بالشخصية المركبة عنده . فالنقاد يقسمون الشخصية إلى شخصية مسطحة وإلى شخصية مركبة وهم يعنون بالشخصية المسطحة تلك الشخصية التى لا تتناول عمقا نفسيا ولا تحليلا ولا سبرا للأغوار الداخلية . إن القاص فى مثل تلك الشخصيات المسطحة يقف عند الظاهر ، قد يرسم المعالم الخارجية للشخصية فيتحدث عن مظهرها ، عن شكلها الخارجى ، وعن طولها وقصرها ، وعن جمالها وقبحها ، ولا تساعده موهبته فى أن تكون هذه الأوصاف مدخلا إلى المعالم الغائرة فى نفسية الشخصية ، وهذا النوع من القصص يمثل الحد الأدنى من القصص التى لا تغامر كثيرا فى مجال الفن عن طريق التحليل النفسى ، أما عن الشخصية المركبة هى تتجاوز ذلك ، قد يتحدث القاص فيها عن المظهر الخارجى للشخصية ولكنه لا يقف عند ذلك ، بل يدلف إلى أغوار الشخصية ، وتكون الأوصاف الخارجية للشخصية موحية بتركيبة الشخصية الداخلية ، إن القاص هناك يقدم الأوصاف الخارجية خبط عشواء ، وليس هو مثل الذى يكتب أخبار الحوادث فى الصحف ، أو مثل رجل الشرطة أو رجل النيابة الذى يصف الشخصية بملابسها الخارجية وبمظهرها السطحى . إن القاص يقفز من كل ذلك إلى عالم الشخصية الداخلية ، ويجعل الأوصاف الخارجية موحية ببنيان الشخصية ، وهذا النوع من الشخصية يمثل قفزة كبيرة فى مجال التصاعد السلمى للتطور الفنى .
ومعظم شخصيات محمود البدوى هى من الشخصيات المركبة ، التى يلتحم فيها المظهر الخارجى بالعالم النفسى للشخصية ، هو يصف الشخصية من الخارج ولكنه يقدم هذه الأوصاف بحكمة وذكاء فتوحى بالعالم الداخلى للقصة ، وهناك إندماج تام بين المظهر الخارجى للشخصية وبين حياتها الداخلية فلا تحس بالتنافر ، ولا تحس بأن بعض الأوصاف الخارجية قد أتت من باب الصدفة ، ولا تحس أن البناء النفسى للشخصية هو مجرد حديث عن نفسية الشخصية أو عن التحليل النفسى كما نشاهده فى بعض قصص التحليل النفسى التى تدلف إلى داخل الشخصية وتشبه عالم النفس وتحلل الشخصية بطريقة مملة تجريدية . إن محمود البدوى يربط بين البناء الخارجى للشخصية وبين التحليل النفسى للشخصية ، فتأتى قصته حية أقرب إلى المجال الفنى منها إلى رجل النيابة الذى يقف عند المظهر الخارجى ، أو إلى عالم النفس الذى يكتفى بالتحليل النفسى المجرد . إن محمود البدوى فنان يجمع بين الخارج والداخل فى تركيبة نفسية حية ومؤثرة .
ولا نحتاج إلى دليل لكى نستشهد به على الشخصية المركبة عند محمود البدوى ، فكما قلت إن معظم قصصه تميل إلى تلك الشخصية المركبة التى تجمع بين المظهر الخارجى وبين التحليل النفسى . إن له قصة من باب المثال تتحدث عن مساعد لسائق القطار يحسد سائق القطار لأنه يتولى منصبا قياديا ويكتفى المساعد بهذا الدور الثانوى ، ويتغلغل محمود البدوى داخل هذه الشخصية المعقدة ويتابع خط سيرها النفسى فى ذكاء وفنية .
بل إن الكثير من شخصيات محمود البدوى ، التى التقطها فى سفرياته ، فى ميناء أو على الباخرة أو فى محطة سكة حديد ــ أقول إن الكثير من هذه الشخصيات عند محمود البدوى تتميز بالحيوية والتحليل النفسى . نحن نعرف أن بعض الكتاب ممن يتناولون أمثال هذه الشخصيات يميلون إلى التجريد وإلى الغربة وإلى البعد عن الحياة ، وقد رأينا نماذج من ذلك النوع إنتشرت فى أدب العبثية ، الذى ازدهر فى أوربا خلال الحربين العالميتين ، واتخذت عنوان مثل الغريب واللامنتمى وغير ذلك من صفات تبعد الشخصية عن الواقع الحى ، وتمتلئ بالتجريد وبالتصوير الذى يبتعد بها عن الواقع ، وقد إنتقل هذا النوع من الشخصيات اللامنتمية إلى أدباء الستينيات فى مصر ، فتميزت بعض شخصياتهم بالفراغ واللا إنتماء والتجريد والبعد عن الواقع الحى ، ولكن شخصيات محمود البدوى التى التقطها أثناء سفرياته تميزت بالتحليل النفسى ، فجاءت حية مثيرة بعيدة عن التجريد والغموض ، والأمثلة على ذلك كثيرة من شخصياته التى التقطها أثناء سفرياته ، وتفاعل فيها محمود البدوى مع هذه الشخصيات ، فأضفى عليها قدرا من تجاربه الخاصة وقدرا من البعد الإنسانى الحى ، الذى يظهر فى بعض قصص الحب مع هذه الشخصيات ، وفى بعض العلاقات الخاصة التى ميزت قصص محمود البدوى وأبعدتها عن الغربة والعبثية واقتربت بها عن طريق التحليل النفسى إلى الحيوية والتشويق .
4 ــ فى قصة "الأعمى" تنال الشخصية جزاءها لأنها خالفت القانون الخلقى ، فنجد الأعمى بعد إرتكاب الخطيئة يفقد توازنه ، وينحبس صوته ، وتهره كلاب القرية وكانت من قبل لا تؤذيه ويرميه الأطفال بالحجارة ، وهنا نصل إلى المحور الرابع فى قصة محمود البدوى والذى يتلخص فى قيمة الالتزام الخلقى ، وهى قيمة نادرة لا تصدر إلا من الكتاب الأصلاء ، الذين يعبرون عن تراثهم وعن تاريخهم ، ولا ينطلقون مع أحدث الموضات التى سادت فى الفن القصصى خلال القرن العشرين .
فقد كان كثير من الكتاب يتحدثون عن حرية الفنان ، ويفهمون فكرة الفن للفن فهما خاطئا ، يعنى عندهم أن من حق الفنان أن يتمرد على كل شىء، وأن يسير مع هواه دون أن يربطه وازع دينى أو رابط خلقى أو مواصفات اجتماعية ، إن مفهوم الفن للفن كما أراه هو إحترام القيمة الفنية واحترام الفن لذاته ، فلا تتحول القصة إلى مقالة اجتماعية أو إلى خطبة دينية أو إلى منشور سياسى ، فالفنان يحترم مواضعات الفن القصصى ومواصفاته الفنية ، ولكنه لا يخرج عن الثوابت التى إرتضتها الجماعة وارتضتها الإنسانية، لأن مثل هذه الثوابت هى نوع من القيود الفنية التى يجب أن تحترم ، فالفنان لا يكتب لنفسه ، أو يكتب عن عقدة الشخصية ، أو يكتب عن انحرافاته النفسية ، ولكنه يكتب من أجل القاسم المشترك ، الذى يتفق فيه زيد مع عمر مع خالد ، ويكون أرضية مشتركة من خلالها يستطيع الفنان أن يصل إلى القارئ ، وأن يخاطب فيه القدر الذى يتفقان عليه ــ أقول قد سادت خلال القرن العشرين موجة من الحرية الخاطئة التى جعلت الكتاب يسيرون مع هواهم ، فيخرجون على المقدسات من ناحية ويسرفون فى تصوير الغريزة الجنسية من ناحية أخرى . وقد بدأت هذه الموجة حيية فى أعمال مثل أعمال أمين يوسف غراب وإحسان عبد القدوس ، ولكنها مع الفوضى واختفاء القيمة الفنية وغياب النقد الموضوعى تمادت هذه الموجة فى أواخر القرن العشرين ، وأصبحت الفاكهة المحرمة ليست محرمة بل هى تعرض بإغراء شديد وبمواصفات شديدة ، وأصبح الحديث عن الجنس مقصود لذاته دون أن يقتضيه سياق فنى ، ودون أن يغلف فى رمز يشير ولا ينص ، يومئ ولا يصرح ، ويحاول أن يتملق غرائز القارئ ، وأصبح صورة من المجلات الرخيصة ومن الكتب الرديئة ومن الأقلام الماجنة التى تتملق غرائز المراهقين ، وتعرض على أرصفة الشوارع . وتعرضت المقدسات الدينية أيضا لهذه الموجة العاتية ، وصارت هنالك جرأة شديدة تمس الذات الإلهية ، وتمس الرموز التاريخية والدينية ، وتعرض دون حياء ، ولعل رواية وليمة لأعشاب البحر التى أثارت ضجة شديدة تصلح مثالاً لهذه الموجة الفاسدة ، فهى رواية رديئة فنيا ، وكل ما فيها أنها تجذب النفوس المنحرفة عن طريق الإفاضة والشرح والتفصيل فى الأمور الجنسية ، وهو شرح يخرج عن المواصفات الفنية ، لأنه يكسر ويوقف حركة الرواية ، ويجعل القارئ يلتمس لذته خارج العمل الروائى وخارج المواصفات الفنية ، والرواية أيضا مليئة بالهجوم على المقدسات الدينية وبوضع القرآن الكريم فى سياق لا يليق به ، وبالتطاول على الرموز الدينية والتاريخية ، بطريقة منحرفة لا تخدم السياق الفنى ولكنها ترضى بعض النفوس المريضة ، وترضى ذلك الاتجاه الذى يلاقى تشجيعا فى ظنى من دوائر خارجية تكيد لهذه الأمة ولتاريخها ، فضلا عن أن هذه الرواية تجلد الذات ، وتنعى الأمة العربية وتاريخها ، وترى أنها قد تحولت إلى وليمة لأعشاب البحر ، وأنها قد فقدت مبررات وجودها ، وأصبحت خارج التاريخ الإنسانى ، فهى لا تحمل نبرة تفاؤل ، ولا تنبه لحركات المقاومة والاستشهاد ، وللثورات العربية فى مصر والجزائر وأيضا فى الانتفاضات الفلسطينية التى يحترمها كل العالم والتى تبرهن على أن هذه الأمة تحمل مقومات وجودها وتاريخها .
ولكن محمود البدوى يختط له طريقا غير تلك الطرق المنحرفة ، فهو رجل صلب ، تربى تربية صعيدية قوية ، وهو من أسرة عريقة ذات تقاليد إجتماعية قوية ، وهو قد نشأ فى جو دينى يحترم الإرادة البشرية ، ويقوى من جانب الروح الذى يهزم النوازع اللينة . ومن هنا نراه لا يساير تلك الموجات منذ بداية كتابته منذ القصة الأولى وحتى القصة الأخيرة ، إنه رجل ملتزم خلقا ، إن الأعمى مثلا يلاقى جزاءه فى نهاية القصة ، فالبدوى لا يقف عند قوة الغريزة الجنسية ، ويحاول أن يلعب بأعصاب القارئ ، وأن يوصف المواقف الجنسية التى تظهر الشخصية ضعيفة تميل إلى السقوط ، إن الجنس عنده هنا موظف ، فهو يضعه فى إطار إنسانى عام ، وهو يهذبه عن طريق الإرادة الإنسانية التى تتحكم فى هوى الشخصية .
إن قصة الأعمى مثال يتكرر فى كثير من قصص محمود البدوى ، التى تصدر عن الالتزام الخلقى ، وتضع الغريزة الإنسانية فى إطارها الحضارى ، إن قصة أخرى تحمل عنوان "رجل" تتعرض لقصة حب بين فتى مراهق وزوجة أخيه ، وكانت الفرصة هنا مواتية لكى يتلاعب محمود البدوى بأعصاب القارئ ، ويعرض لنا تفصيلات مثيرة ، كما كان يفعل بعض كتاب عصره ممن يعرضون حالة شاذة وغريبة ، قد تحدث مرة أو مرتين ، ولكنها ليست قاعدة، إنه الاستثناء الذى يؤكد القاعدة ، ويثبت أن الناس لا تزال بخير ، وأن الغالبية تقف ضد الشذوذ وضد الانحراف . إن الخطيئة فى قصة "رجل" لا تقع ، لأن تركيبة البدوى لا تتقبل مثل هذه الخطايا التى تمس الإرادة الإنسانية . وكل ما حدث فى القصة أن الرجل أو المراهق طبع قبله على الزوجة خلال زجاج النافذة . أن الزجاج هنا يمثل الحاجز أو الوازع الدينى فهو يحول دون وقوع الخطيئة ، ويؤكد تركيبة البدوى التى تقوم على الإرادة البشرية واحترام المواضعات الحضارية ، فهو لا يهدف من قصصه إلى الإثارة عن طريق الحالات الشاذة ، كما وجدنا بعضا من ذلك عند صديقه أمين يوسف غراب أو عند إحسان عبد القدوس ، إن البدوى يهدف من قصته تلك إلى مغزى خلقى ، يتلخص فى أنه يجب أن نقفل المنافذ التى يتسرب منها الشيطان ، وألا نترك الأبواب مفتوحة أمام اختلاط قد يوقع فى الخطيئة ، حتى لو كان ذلك الاختلاط بين الأخ وزوجة أخيه ، لقد كان المراهق يسكن مع أخيه الكبير ، وكانت هناك فرصة لوسوسة الشيطان ولنداء الغريزة ، ولكن المراهق فى نهاية القصة يستيقظ ضميره الإنسانى ، ويحترم عطاء الأخ الأكبر الذى فتح له قلبه وبيته ، فيكتفى بتلك القبلة العارضة التى يحول زجاج النافذة دون وقوع الخطيئة . وحينما أقول إن قصة البدوى تحتوى على مغزى خلقى ، لا أقصد بذلك أن هذا المغزى مفروض على القصة ، وأنه ملصق على سياقها بطريقة نابية ومباشرة . إذ يصبح الهدف التربوى لبنة من هذه القصة ، ولا يحدث الانفصال المشئوم بين الشكل والمضمون ، لأن القصة صادرة عن فنان موهوب ، لا تهمه المماحكات الجدلية بين الفن للفن أو الفن للمجتمع ، بقدر ما تهمه أن القصة متماسكة ، وأن المضمون يصبح لبنة فى ثنايا القصة ، وأن الهدف ينبع من داخل القصة ويتحول إلى لبنة فنية وليس إلى موعظة خلقية .
وربما يدخل فى مجال الالتزام الخلقى عند البدوى هو إحترامه للدين ، فقد سادت فى أوائل القرن العشرين موجة من الهجوم على الدين ، شجعتها الدوائر الاستعمارية الغربية ، التى تريد أن تضعف من الدين فى المجتمع المصرى والعربى ، لأنها تدرك أن هذا الدين هو السياج الحقيقى أمام توسعاتها السياسية والعسكرية ، وقد أصبحت بدعة بين الأدباء فى تلك الفترة أن يهاجموا الدين ، حتى يكسبوا لأنفسهم شهرة إعلامية واسعة ، وحتى يلفتوا نظر الإعلام والصحافة إلى كتاباتهم ، ولعل مثال طه حسين ومن تبعه واضح فى ذلك ، فقد كانت طريقتهم إلى الشهرة تقوم على الهجوم على الدين ، وإثارة علماء الدين ، حتى يلفتوا نظر الإعلام ونظر الدوائر الغربية ، التى كانوا يطلقون عليها الدوائر الحضارية المتمدينة ، ولكن محمود البدوى بتربيته الدينية وبتركيبته الصلبة لا يقع فى هذا المحظور ، فهو يحترم الدين ، ويتكرر فى قصصه مفردات عن الوضوء ، وعن الآذان ، وعن المساجد ، وعن قراءة القرآن ، وهو فى رحلاته إلى البلدان الإسلامية ــ ورحلته إلى استامبول مثال على ذلك ــ يقف عند المساجد الإسلامية ويحاول أن يستعيد ذكريات الماضى وأمجاد الإسلام ، حينما كانت هذه المساجد تمتلئ بالعظماء ممن صنعوا التاريخ الإسلامى . إن له قصة حدثت فى إحدى رحلاته "دمعة" كان يقرأ خلالها القرآن الكريم ، وسمعته إحدى السائحات فظنته يغنى ، ولكنه أخبرها بأنه يقرأ القرآن الكريم ، فاستمعت إليه ، وكانت هناك فرصة لرباط قوى بينه وبين تلك السائحة الأجنبية .
تلك هى المحاور الأربعة التى إقتنصتها فى قصة محمود البدوى ، وقد أمليتها من الذاكرة ودون رجوع إلى مصدر أو كتاب ، فقط كنت أرجع إلى ذكرياتى مع محمود البدوى ، ومن هنا جاء الحديث عن هذه المحاور مقتضبا يتصف بالحميمية والرجوع إلى الماضى . وكل ما أردته من هذه المحاور أن ألفت نظر القارئ أو الباحث إلى العالم الرحب عند البدوى ، وأن انبه إلى أن كل محور من هذه المحاور يمكن أن يتحول إلى رسالة جامعية ، تتسم بالتفصيل ومتابعة الأمثلة والشرح والوصول إلى النتائج . وما أظن أن هذه المحاور الأربعة هى المحاور الوحيدة التى تحيط بعالم محمود البدوى ، وهناك محاور كثيرة ذكرها الدارسون والباحثون . وهناك محاور جديدة تنتظر من يكتشفها من الباحثين ، ممن يستطيعون أن يلجوا عالم البدوى بكل ما فيه من رحابة وفنية والتزام وتحليل وتنوع .
* * *
لا شىء يضيع عبثا .
تلك الجملة هى قانون إلهى أزلى ، فلا شىء يضيع عبثا ، وإذا لم ينل المرء حظه فى الدنيا ، وإذا لم ينل المرء حظه فى حياته فإنه بكل تأكيد سيناله بعد موته . وقد يظن البعض أن حظ المرء بعد موته يقلل من قيمته ومن فرحته ، ولكن الحقيقة غير ذلك تماما ، فكبار الأدباء وأصحاب الرسالات لا يعملون من أجل حياتهم القصيرة ، ولكنهم يعملون من أجل امتداد إبداعاتهم ورسالاتهم خلال الأجيال التالية .
وحقيقة أخرى لا تقل عن الحقيقة السابقة ، وهى إن الرائد أو الموهوب أو أصحاب الموقف ، إنما تظهر قيمته بعد موته ، فالمعاصرة حجاب كما يقال ، وأصحاب المواهب والمواقف معرضون للغيرة وللحسد ، وخاصة بين الشعوب المتخلفة التى لا تحكمها تقاليد أو أعراف ، تقاوم النوازع البشرية الفردية مثل الغيرة أو الحسد ، وبعد موت صاحب الرسالة أو صاحب الموقف فإن الغيرة تختفى ، ويفرض نفسه على الأجيال التالية ، ويجد من المنصفين الموضوعيين ممن يقدرون رسالته وينقلونها إلى الأجيال القادمة .
ولا يصدق كل هذا على أحد بقدر ما يصدق على محمود البدوى ، فقد كان الرجل موهوبا ومخلصا وصادقا ، وكان يلاقى التعتيم والجحود من أبناء جيله ، ممن يحسدون المواهب ، ويدفعهم الحسد إلى الوقوف ضد هذه المواهب، وكان البدوى متواضعا ، لا يتحدث عن مواهبه ، ولا يجيد عرض بضاعته ، لقد عاصرته سنين عديدة فى لجنة القصة بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ، وكان صامتا ، لا يتدخل فى حوار ، ولا يفرض نفسه على أحد ، ولا يتحدث عن نفسه ، وإذا خاطبته فى قصة له أو فى مجموعة فإنه يتوارى خجلا كالعذراء الصغيرة .
ولكن كما قلت لا شىء يضيع عبثا ، فالموهبة تفرض نفسها ، ويهيئ لها الله من المنصفين من يتحدث عنها ، وقد تحقق للبدوى الكثير من ذلك ، فهناك رسائل جامعية كتبت عنه فى جامعة القاهرة ، وفى جامعة الإسكندرية ، وفى جامعة المنيا ، وفى جامعة الأزهر ، وفى غيرهما من الجامعات المصرية ، وهناك مقالات ودراسات ومؤلفات كتبت حول حياته وأدبه ، من كبار الأدباء والنقاد ، من أمثال الدكتور محمد مندور ، والدكتور عبد العزيز الدسوقى ، وفؤاد دوارة ، ورجاء النقاش ؛ والدكتور سيد حامد النساج ، وعلاء الدين وحيد ، ومحمد قطب ، وعلى عبد اللطيف وغيرهم .
وقد هيأ الله له بعد موته من يحمل رسالته ، ويهب نفسه لخدمة إبداعات ذلك الرائد الكبير ، وأعنى بذلك على عبد اللطيف وهو شخصية نادرة تقل فى مجتمعاتنا العربية والمصرية ، فهو ينكر نفسه ، ويؤثر غيره ، ويبذل جهده من أجل الآخرين ، لقد نذر بقية حياته لجمع أعمال البدوى ، ولمتابعتها ، ولتصنيفها ، وللسفر لملاقاة النقاد الذين كتبوا عنها ، ولمتابعة الصحف والمجلات فى دار الكتب وفى غيرها ، ولطبع قصصه فى مجموعات ينفق عليها من جيب أسرته وللكتابة عن هذه الكتب وللاتصال بأجهزة الإعلام والأصدقاء والمهتمين ، وفى دفع قصور الثقافة والجمعيات الأدبية لعقد الندوات حول أدب محمود البدوى ، ولإرسال مطبوعاته إلى النقاد وأساتذة الجامعات ، وهو يفعل كل ذلك بحب وقلب كبير .
إن هذا النموذج الذى يمثله على عبد اللطيف نموذج يستحق الاحترام ، لأنه يصدر عن إيثار وحب ، وتلك عملة نادرة فى مجتمعاتنا التى تحارب المواهب النادرة ، وتعتم عليها ، وتحول بينها وبين الانتشار .
إن نموذج على عبد اللطيف يستحق الاحترام بقدر ما يستحقه محمود البدوى نفسه ، لأن جهده لا يقل عن جهد البدوى نفسه ، لقد أدى البدوى رسالته ، وتركها مطوية بين صفحات الكتب ، وعلى أرفف المكتبات ، ثم جاء على عبد اللطيف فأزاح الغبار عن هذه المقتنيات النادرة ، وأبرزها وأوصلها إلى القارئ ، وكتب لها الذيوع والإنتشار .
فتحية صادقة لمحمود البدوى صاحب الموهبة النادرة . وتحية لا تقل صدقا لـ على عبد اللطيف راعى هذه الموهبة ، وفى النهاية دعوة لإحياء هذا التقليد، بأن يظهر الرجل المخلص أو الفريق المخلص أو الجمعية المخلصة التى ترعى المواهب ، وتقاوم النوازع البشرية التى تحارب هذه المواهب ، وتوصل الثروات الأدبية إلى الأجيال التالية ، وهى ثروات لا تقل عن الموارد الاقتصادية أو المعادن الثمينة .
لقد حمل إلينا تاريخ الأدب العربى أسماء الرواة ، الذين أخلصوا للشعراء ، وحفظوا دواوينهم ونقلوها إلى الأجيال التالية ، ولولا هؤلاء الرواة لضاعت تلك الكنوز الثمينة ، ولخسرنا الكثير من تلك الثروات التى لا تعوض ، واليوم يحيى على عبد اللطيف هذا التقليد الجميل والذى نرجو أن يكون بادرة تدفع الكثيرين إلى مواصلة هذا الطريق ، فهم يخدمون أمتهم من ناحية ، وهم يخدمون أنفسهم من ناحية أخرى ، لأنهم يكتبون لأنفسهم الخلود بقدر ما تخلد تلك المواهب النادرة ، التى قاموا برعايتها وإظهارها وتوصيلها إلى الأجيال المقبلة .

مدينة نصر
5 أغسطس 2002 م

ليست هناك تعليقات: