الاثنين، 17 ديسمبر، 2007

الإبنة الثانية

الإبنة الثانية

حملت زوجة محمود للمرة الثانية وكان والدها نقل للعمل فى قنا وترك لإبنته خادمته زايده لترعى شئونها خلال فترة الحمل (رغم وجود أم محجوب ومبروكه ونعناعه التى تعتنى بابنتها ليلى) .

وفى حوالى الساعة الحادية عشر من مساء يوم 31/12/1953 شعرت بقرب وضع حملها ، فاتصل محمود تليفونيا بعيادة الطبيب وبالمستشفى فلم يجده فإتصل ببيته وأخبرته الخادمه بأنه يقضى ليلته فى سهره بالهرم ، فرجاها أن تتصل به وتخبره بالحالة وجاء الطبيب بسيارته سريعا ونقلها إلى مستشفى الدكتور مظهر عاشور وهيأ لها جناحًا خاصا ، وتمددت على السرير ، وظل محمود بجانبها ، ولما إقترب ميعاد الوضع حملوها على عربة صغيرة إلى جحرة الولاده ، ومرت دقائق الإنتظار قاسيه وشديدة الوقع على نفسه (لم يكن معه أحد فى ذلك الوقت)

جاءت فاطمة الإبنة الثانية مع خيوط فجر الأول من يناير 1954 (وضاعت حفلة رأس السنة على الطبيب) وإتصلت الخادم زايده بالتليفون من البيت باللواء عمر فى مديرية قنا وقالت له" الست حكمت بتولد وراحت المستشفى دلوقتى هى وسيدى محمود" فإتصل سريعا بأخواته الموجودين فى القاهرة اللواء حفظى والمستشار محمود وحسين وأعلنهم بالخبر وجاء هؤلاء إلى المستشفى ووجدوا زايده أمامهم وعنفوها لعدم الإتصال بهم ، فقالت .." أنا معرفشى النمر بتاعتكم ، أعرف نمرة سيدى عمر بس " وجاء والدها ووالدتها .

إرتبك الحال فى المستشفى فى اليوم الثالث وإمتلأت بالزهور وبالزائرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، اللواء محمد نجيب .. جمال عبد الناصر .. صلاح سالم .. جمال سالم .. وأقاربهم من السيدات وإزدحمت طرقه المستشفى بالرجال والسيدات .. جاؤا لزيارة كمال الدين حسين الذى كان فى الحجرة المجاورة وأجريت له عملية الزايدة .

فتحت أم حكمت الإستراحة الملحقة بالجناح وأدخلتهم ، جلسوا فيها ورحبت وقدمت لهم الشيكولاته ، وكان محمود سعيدا بأن من اللّه عليه بالإبنه الثانيه .

* * *

كان محمود يصطحب إبنته ليلى فى الصباح للذهاب بها إلى المدرسة قبل الذهاب إلى العمل وفى العوده يمر عليها ويصطحبها إلى البيت ، وحبه الشديد لإبنتيه وتعلقه بهما كان له تأثير شديد على حياته ، ومن شده حرصه عليهما وعلى مستقبلهما ، علمتاه الخوف ، الخوف من السجن والإعتقال والتعذيب، ولذلك نأى بنفسه عن السياسة ، فهناك فرق كبير ، كما يقول ، بين الوطنيه والسياسة ، فحب الوطن فى لحمه ودمه وعظامه أما السياسة فقد كرهها وكره مشتقات الكلمه ولعنها كما لعنها وكرهها الإمام محمد عبده
(1)

وكانت إبنته الكبرى تجمع طوابع البريد وتنزعها من على الخطابات التى ترد إليه قبل وصولها إلى يده باستثناء القليل منها التى لم تقع تحت يدها حتى تجمعت وتكونت لديها على مدى السنين مجموعة كبيره جدًا جدًا من مختلف أنحاء العالم .

كان لا يحب الاختلاط ويتوق إلى الوحدة وقد أثر ذلك على إبنتيه ، وفى ذلك يقول .. "مع أننى تثقفت وخالطت الأجانب وسافرت كثيرا إلى الخارج ودرست الآداب الأجنبيه وترجمت بعضها .. إلا أننى شديد الحفاظ على مصريتى وتقاليدها وصعيديتى أيضا التى لا أتجرد منها أبدًا .. لأننى أجد فى جوهرها الحقيقى الكثير من القيم النبيلة ، التى لا تقل بحال من الأحوال عن المثل الأوربية .

لقد ولدت إبنتاى فى القاهرة ، ومع ذلك لم أرد لهما الإختلاط الزائد عن حده .. الذى أصبح يتسم به المجتمع .. ولذلك لم تنضما إلى ناد من النوادى الكبيرة .. وإنما كان إختلاطهما فى حدود محيط الأقارب والأصدقاء الخلص فقط .. مما يتمشى مع تربيتى الريفية
(1)"

* * *

كان محمود يجلس يكتب أو يقرأ فى كازينو النزهة بميدان تريومف ، ويشاهد العمارة الضخمة التى تقيمها المنتجه آسيا أمام الميدان وأعجب بموقعها الفريد والمتميز وإستأجر فيها شقة بالدور الرابع وتطل واجهتها على الميدان وعلى شارع عثمان بن عفان مقابل أجره شهرية مقدارها سته عشر جنيها فى 28 مايو 1956 .

ويقع الكازينو على الناصية الأخرى المواجهة للبيت ، ومفتوح من جميع الجهات ، وقد يكون فى صحبته صديقيه عاشور عليش وسعد حامد يجلس كل منهم يقرأ أو يكتب ، وإبنته الكبرى لا يغمض لها جفن حتى تأخذها مربيتها إلى الكازينو لتحية والدها قبل النوم ، فيأخذها بين يديه ويداعبها ، وقد ينضم إلى صحبته الأصدقاء أمين يوسف غراب وهلال شتا ومحمد على غريب ، ثم تنفلت إبنته وتقوم بدوره بين الموائد ، وبعد اللف والدوران قليلا، تلقى تحية المساء على والدها والموجودين معه وتعود مع مربيتها إلى البيت لتنام.

ليست هناك تعليقات: