الاثنين، 17 ديسمبر، 2007

محمود البدوى و أمين يوسف غراب

محمود البدوى
و
أمين يوسف غراب


يقول أمين يوسف غراب فى كتابه نساء الآخرين الصادر عن المكتب التجارى ببيروت عام 1958 تحت عنوان "أشهر حب"

تربطنى بالزميل الأستاذ محمود البدوى القصاص المعروف صلة صداقة متينة منذ زمن بعيد ، ترجع إلى عهد الصبا وأحلام الشباب ، وبالرغم من أننا لسنا من بلدة واحدة ، فهو أسيوطى من أغوار الصعيد ، وأنا دمنهورى من أغوار الوجه البحرى وتختلف مشاربنا فى أشياء كثيرة إلا أننا أنفقنا معا أجمل أيام العمر وأهنأ ساعات الحياة ، وكنا نقطن معا فى مسكن واحد فى القاهرة، ولكننا لم نكن نستقر فى بيت واحد أكثر من شهور ، فقد انتقلنا إلى عدة بيوت فى أنحاء القاهرة تزيد على العشرة .

وكان هذا يسبب لنا متاعب كثيرة وأشهد بأننى كنت المتسبب فى هذه المتاعب فهو كما قدمت صعيدى ـ يتمسك بصعيديته الأصلية وتقاليدها القاسية ولا يحيد عما وضعته المثل والأخلاق ، وهو لا يشرب الخمر ولا يعرف النساء ولا يحب السهر ، وكل لذته فى الحياة أن يطوف طوال النهار على المكتبات ودور النشر يتفحص عناوينها من خلف الزجاج ومع ذلك لا يشترى شيئا .

وعندما يجهد وتخور قواه من كثرة السير على الأقدام والتجول فى شوارع القاهرة يذهب إلى قهوة متاتيا بالعتبة الخضراء ويشرب فنجانا من القهوة ليستريح . وكان يفضل هذه القهوة على غيرها لأنها أمام سور حديقة الازبكية الذى تباع على جداره الكتب القديمة بأبخس اثمان فقد كان من زبائن هذا السور الدائمين يقطعه عشرات المرات يروح ويجئ لا ليشترى شيئا .. ولكن ليقف أمام كتب الأدب يجتر أحزانه أسفا على الأدب وسوقه البائرة وقداسته التى ذهب احترامها وضاعت هيبتها وانتهكت حرمتها انتهاكا على هذا السور اللعين .

وكنا إذ ذاك نقطن فى شارع قنطرة الدكة ، نجيب الريحانى الآن ، ومع أن العمارة التى نقطن إحدى شققها كانت عمارة ضخمة يختلط فيها الحابل بالنابل والداخل فيها أكثر من الخارج منها ، وفيها أكثر من بنسيون ، وفيها أيضا أكثر من امرأة جميلة ، إلا أن محمودا كان يحرص جدا على أن يحترم قداسة البيوت لا شأن له بغيره من الناس ولا بمن يجاورونه فى السكن . وقد أعطانى درسا فى هذا عملت به حينا . إلا أننى ذات يوم تعرفت على فتاة رومية كان اسمها لوسى وكانت تقطن فى الحى وتوطدت صلتى بها وانتهزت فرصة عطلتها الاسبوعية ودعوتها لزيارتى فى البيت .

وقد لبت الدعوة عن طيب خاطر ، وقضينا يوما جميلا ، وعرف محمود ذلك فغضب غضبا شديدا ولم ينم ليلتها .

وكانت كل أحزانه وهمومه كيف سيلتقى ببواب العمارة بعد ذلك وهو الذى كان يجله ويحترمه وينهض واقفا كلما رآه ، وينظر إليه تلك النظرة التى كانت تطرب محمود لإنها تنم عن احترام كبير .

وعبثا حاولت أن أقنعه بأن نظرة البواب لن تتغير وستظل تنم عن ذلك الإحترام الذى كان . فهو الذى أستقبل . لوسى عند مجيئها وهو الذى رحب بها وهو الذى أوصلها إلى مكان الشقة وهو لم يفكر أبدا فى شئ من هذا الذى يفكر فيه ، ولكن محمودا لم يقتنع بحرف مما قلت .

وفى الصباح لم يذهب إلى عمله فى وزارة المالية ، ولم يطف على المكتبات ودور النشر يتفحص عناوين الكتب من خلف الزجاج ، وإنما قضى النهار كله فى البحث عن سكن آخر غير هذا الذى أفتقد فيه إحترام البواب وأنتهكت فيه حرمة البيوت .




ليست هناك تعليقات: