الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2007

الفصل الخامس ـ هارب من الأضواء



الفصل الخامس
* هارب من الأضواء
* مقابلات وحوار
قال عنه : الأدباء والنقاد
.
عبد الرحمن الشرقاوى ـ يحيى حقى ــ د । عبد العزيز الدسوقى ــ غالى شكرى ــ رجاء النقاش ــ د . سيد حامد النساج ـ فؤاد دوارة ـ موسى صبرى ــ يوسف القعيد ـ محمد جبريل ـ مأمون غريب ــ عزت معوض ـ محمد قطب ـ علاء عريبى ــ د. مصطفى عبد الغنى ـ فاروق شوشه ـ أحمد زكى عبد الحليم ــ محمد شوكت التونى المحامى ـ مجدى العفيفى .

* رسائل من أدباء ونقاد

نجيب محفوظ ـ نعمان عاشور ــ محمد أحمد عيسى ـ د. محمد يوسف نجم
أمينة السعيد ـ الشاعره جميله العلايلى ــ د. اولجا فرولوفا

* فتاة من طشقند
* حياة البدوى الوظيفية
* الايام الاخيرة

هارب من الأضواء

أشيع عن البدوى أنه يعيش فى عزلة عن الناس ، والحقيقه عكس ذلك تماما ، فهو يخدم فنه فى كل موقع ، فكان من مؤسسى نادى القصة وعضو تحرير المجلة فى السنوات الخمس الأولى مع توفيق الحكيم ويوسف جوهر وسعد مكاوى ويوسف الشارونى . كما كان عضوا مؤسسا لجمعية الادباء واتحاد الكتاب وساهم فى جميع لجان القصة بالمجلس الاعلى للثقافة وفى المجالس القوميه المتخصصه ولجنة منح الجوائز التشجيعية فى مجالى القصة القصيره والروايه ، وكان يواظب على الحضور ملتزم ومنضبط ، صموت ، قليل الكلام خفيض الصوت ، فإذا ما تحدث فباختصار وبقول مؤثر .

* * *

وما اجرى معه من احاديث طوال حياته بذل فيها محاوروه جهدًا لفتح فمه.. ومن الأمثله الداله على هروبه من الاحاديث الصحفية الكتاب المرسل من الأديب يوسف القعيد ويقول فيه .



مقابلات وحوار

المصدر عنوان الحوار اجرى الحوار التاريخ
ص . المساء مع كاتب القصة الذى تحققت امنيته هذا الأسبوع عاشور عليش 30 / 5 / 1963
ص . التعاون حديث مع محمود البدوى المحرر 3 / 8 / 65
م . آخر ساعة رحلة فى عقل أديب هارب من الأضواء مأمون غريب 16 / 8 / 69
م . الصياد المرأة تفضل الجنس على الطعام نبيل فرج 28 / 11 / 74
ص . الجمهوريه كلام النجوم محمد احمد عيسى 25 / 12 / 75
م . آخر ساعة رحلة سريعه فى عقل محمود البدوى 21 / 1 / 76
ص . اخبار اليوم معجزة جديدة فاطمة بركه 27 / 3 / 76
ص . الانوار زيارة مدينة واحدة أفضل من قراءة الف كتاب نبيل فرج 5 / 3 / 78
م . آخر ساعة التقدير والتكريم لهؤلاء الكتاب مأمون غريب 18 / 10 / 78
ص . الأنوار لمن نكتب ولماذا نبيل فرج نوفمبر 78
ص . الأنوار لا اكتب لرواد المقاهى قصص الجنس نبيل فرج 27 تشرين الثانى 1979
ص . المساء حوار فى حديث عن القصة القصيرة نبيل فرج 1 / 9 / 80
م . القصه فى الظلال يتواجد النور محمد قطب اكتوبر 1980
م . أسرتى المرأة والأسرة علاء الدين وحيد 31 / 1 / 81
م . المصور محمود البدوى بعد سنوات من الصمت يوسف القعيد 25 / 9 / 81
م . اكتوبر الاغانى جعلنى قصاصا 31 / 1 / 82
ص . الأخبار هذا الراهب الذى عاش للقصة 50 عاما مجدى العفيفى 2 / 6 / 82
م . فصول القصه القصيره من خلال تجاربهم يوليو واغسطس وسبتمبر 1982
ص . الشرق الأوسط الكتابه حياتى وبدونها لا أعيش 7 / 9 / 1984
ص . الرياض ستعيش قصصى ما دام يعيش الأدب العربى محسن خضر 7 / 10 / 1984
ص . الأهرام محمود البدوى يخرج من عزلته مصطفى عبد الغنى 22 / 8 / 85
م . الكواكب محمود البدوى يتكلم بعد طول صمت عزت معوض 26 / 11 / 85
م . القاهرة بعد ربع قرن من الابداع والزهد محمود البدوى يتحدث علاء عريبى 14 / 1 / 86
ص . الأخبار آخر كلمات الأديب الكبير محمود البدوى مصطفى عبد اللّه 19 / 2 / 1986
ص . الأهرام هذا الحوار لن يقرأه صاحبه مصطفى عبد الغنى 20 / 2 / 86
ص . الجمهورية محمود البدوى قبل الرحيل شكرى القاضى 24 / 2 / 86


قال عنه الأدباء والشعراء والنقاد

* عبد الرحمن الشرقاوى برنامج أتوجراف . ص . الجمهورية 10/8/1977 .

« من أولى خصائص القصاص الرائد محمود البدوى هى كبرياؤه الشديد وعزوفه عن الوقوف بأبواب هؤلاء المسئولين ليطلب منهم شيئا »

* يحيى حقى ص . الأخبار 19 / 2 / 1986

« محمود البدوى من الرعيل الاول للقصة القصيرة ، أخلص لها ، واقتصر عليها ومد تجربته من الداخل للخارج ، من المدينة إلى الريف ، من الاستقرار إلى الترحال ، ولم أر مؤلفا يخلص لفنه بمثل هذه المثابره والايمان مع التواضع الشديد ، وعزوفه التام عن الإشادة باسمه أو التعريف بفضله ..... وقد كنت أذهب لزيارته وهو موظف بوزارة الماليه فأجد على وجهه امارات الصبر والخشوع وكان ذلك فى الخمسينيات تقريبا » .

* رجاء النقاش مجلة الشهر يناير 1959 .

« أخذت اسأل الذين عرفوه أو إتصلوا به عن شخصيته وحياته ، حتى استطعت ان اجمع بعض المعلومات التى لم تكن مفاجئة لى ، ولكنها كانت ضرورية لتؤكد الصورة التى رسمتها فى ذهنى لهذا الفنان الموهوب المثير .. ومن حقائق حياته ومن طبيعة فنه نستطيع ان نصل إلى تفسير كامل لعزلة هذا الفنان عن الجمهور ، وعدم شهرته بالرغم من أنه يعتبر من الرواد الاوائل لفن القصة القصيرة فى الأدب العربى الحديث »

د. عبد العزيز الدسوقى م . الثقافة سبتمبر 1977

« الاستاذ محمود البدوى رائد الاقصوصة العربية المعاصرة فى مصر ، وواحد من اكبر الرواد الذين أثروا تأثيرا عميقا فى فن القصة منذ الثلاثينيات»

« يمتاز هذا الرائد الكبير بالدماثه والعذوبه والتواضع ، ما جلست إليه إلا أحسست عظمة الفنان وأصالته وشموخه فى هذا التواضع السامى ، وتلك البساطة الرفيعه »

* غالى شكرى م . العلوم ( بيروت ) مايو 1963

« الباحث فى ادب البدوى يدهش كثيرا لانزوائه عن اضواء الدراسة والنقد .. بالرغم من انه الأديب اليتيم فى جيل الرواد الذى يستحق الاولويه بالنظر ، لما كان عليه من وعى عميق بفن القصه من جانب ، واصالة شديدة الذكاء من جانب آخر ، وما كان عليه من جرأة فى ارتياد اعقد المسائل الفنيه والانسانيه .

د. سيد حامد النساج م . القصه اكتوبر 1980

« يكاد يكون الكاتب المصرى الوحيد الذى يحظى باحترام ذوى الاتجاهات العقديه والفكرية من اليمن واليسار ، فهو لا يقحم نفسه فى خضم المعارك أيا كان نوعها ، ولونها ، واتجاهاتها ، رافضا منطق الحزبية الضيقة ، والشلليه السخيفه ، والاخلاقيات الهابطة ، والمصالح المادية المتبادلة ، بمعنى أنه قنع بالاعتدال والتوازن ، لنفسه ولفنه فى آن معا .
لا يكتب الا ما يؤمن بصدقه مع نفسه ـ إنسانيا ـ وصدقه مع مجتمعه ـ واقعيا ـ وصدقه ـ فنيا ـ مع القصة القصيرة ، ومن ثم انعقد الاجماع على أنه فنان عظيم »

« يكتشف المراقب لتاريخ حياته الأدبى ، انه لم يسع وراء الاحاديث الصحفية أو الإذاعية أو التليفزيونية ، كى تنشر صوره واقواله واخباره ، وربما « فرقعاته » فى محاولة لاحداث نوع من البروباجندا حول ذاته وأدبه ، إيمانًا بأن الذين يلهثون وراء هذه الوسائل ليسوا الا ناقصو موهبه ، يحاولون تغطية قصورهم الفنى ، وربما تكون انفاسهم الفنيه قد تقطعت ، فتوقفوا عن العطاء ، بعد شوط أو شوطين بحجة أجرض ، أو الشيخوخه ، أو انهم اكتفوا بما قالوا ، وما قالوه هو كل ما كانوا يملكون ، وكفى الكتاب عذاب الخلق والابتكار والتطور والتجديد » .

* فؤاد دواره ـ الالف كتاب فى القصة القصيرة ـ مركز كتب الشرق الأوسط 1966 .

« لم أستطع أن أذكر أنى قرأت عنه شيئا فيما ينشر كثيرا فى الصحف والمجلات عن أدبائنا وعن القصاصين منهم بصفة خاصة ، كل ما تذكرته هو تلك الكلمات الضاحكه التى قدمه بها « نعمان عاشور » فيما يشبه الصورة الكاريكاتورية فى مجلة « أخبار الثقافة » وكان أبرز ما علق بذهنى منها أنه أديب محب للعزلة بعيد كل البعد عن المجتمع الادبى والثقافى ، وقد أيد هذا الرأى ما قرأته بعد ذلك عن رفضه حضور الندوة التى قدمها البرنامج الثانى ونوقشت فيها احدى قصصه فى برنامج « مع النقاد » مكتفيا ببرقية شكر أرسلها إلى السيدة « سميرة الكيلانى » مقدمة البرنامج وللنقاد الذين ناقشوا قصته ، اما غير ذلك من الحقائق المتعلقة بالكاتب القاص فلا يستطيع احد الاهتداء إليها بسهولة .. »

* موسى صبرى آخر ساعة 26 / 2 / 1986

« كان كاتبا كبيرا بلا مجتمع ، عاش العزلة ، وهواها ، وصادق أوراقه وأقلامه ، وابتعد عن الأضواء ، وابتعدت عنه الأضواء »

« كان اسلوبه ، تعبيرا كاملا عن شخصيته ، كان قليل الكلام وكانت عبارته لا تحتمل حرفا زائدا ، كان هادئا ، وكانت كلمات قصصه هادئه ، وكان فى عزلة الفلاسفه ، وكانت سطوره فلسفة قائمة بذاتها ، عن اغوار النفس الإنسانية .

* ص الأهرام 16 / 2 / 86 ومجلة القصه أبريل 1986

« عاش محمود البدوى ، عفيف النفس ، جم الأدب ، خفيض الصوت ، ساعيا إلى الخير ، نابذا العنف والمصادقة عاشقا للثقافة ، متبحرا فى آفاقها »

« وقد ساهم محمود البدوى رغم عزوفه عن المظهريه والشهرة ، فى جميع لجان القصة سواء بالمجلس الاعلى للثقافة أو فى المجالس القومية ، لم يتأخر عن اجتماع واحد ، وبرغم شدة معاناته من المرض فى الأونة الاخيرة إلا أنه كان يواظب على الحضور ، ويبذل فى ذلك غاية الجهد ، وكان خلال تلك الاجتماعات يمثل النور الذى يهدى إلى الرأى الأصوب ، والحل السليم ، كان دائم الصمت فإذا ما تحدث كان لحديثه الرأى القاطع والحكمه المصفاه».

* يوسف القعيد المصور 25 / 9 / 1981

« يتوقف القلم طويلا قبل البدء فى حوار مع محمود البدوى ، والحيرة تصل إلى طريق مسدود ، فبأى الكلمات أبدأ ؟ هل أقول أن هذا الكاتب الجالس أمامى عباره عن 73 عاما يحملها فوق كتفيه و 500 قصة قصيرة صدرت فى 20 مجموعة قصصيه ورواية واحده وكتاب واحد فى أدب الرحلات ، ومع هذا نسيه الكل ، ام هل ابدأ بالقول انها ربما كانت المرة الأولى ، التى يجرى معه فيها حديث طويل طويل ، عنه وعن حياته ، رفض فى البداية ان يجرى اللقاء فى بيته لا علاقة بين البيت والحياة العامة ، هكذا قال لى ، وتواعدنا على اللقاء فى مقهى بشارع عماد الدين »

* محمد جبريل ص . الوطن العمانية 11 / 5 / 1981

« أشد الأدباء عزوفا عن الادلاء بالاحاديث الصحفيه ، أو التعبير عن رأيه فى قضية ما .
ان العمل الفنى هو الجسر الوحيد الذى يصل بينه وبين القراء والنقاد على السواء ، أما الأدلاء بالتصريحات والأحاديث فتلك ـ على حد تعبيره ـ مهمة السياسى وليست مهمة الفنان ، فالسياسى يحتاج إلى قوة منطق وقدره على الخطابه لاقناع الجماهير ، أما الفنان فإنه لا يهدف إلا إلى اقناع القارئ بأصالة عمله .

وأقول للبدوى ، ولكن معظم ادباء العالم لهم آراؤهم فى المشكلات الأدبيه والسياسيه أيضا ؟
يجيب فى دهشه ؛ لماذا لا تكون هذه الأراء نبضا لاعمالهم الفنيه ؟ ... هذا هو ما أحاول أن أفعله »

* مأمون غريب م . آخر ساعة 6 / 8 / 1969

« لم اشاهده فى ندوة أدبية .. إنه يختفى من مجالس الأدباء .. وله عاده واحده هى أنه مغرم بمشاهده الافلام .. وفى بعض الايام يدخل أكثر من فيلم فى يوم واحد ..

وقد شعرت بالحيرة فعلا عندما حاولت ان التقى به .. هل سيهرب من اسئلتى .. كما يهرب من الندوات الأدبية والفنية .. وكيف العثور عليه ؟

وبصعوبة التقيت به .. وبصعوبة أكثر حاولت أن افتح فمه للحديث .. كانت اجاباته مختصره للغايه .. ومع ذلك فهى تقريبا من افكاره ومن رؤياه للحياة وما يعتمل فيها من صراعات .

* عزت معوض م . الكواكب 26 / 11 / 1985

« أقول لكم الصدق ، عندما كنت ابحث عن عنوان أو رقم تليفون الأديب المبدع .. اكتشفت وياخيبه ما اكتشفت .. اكتشفت كأننى كنت ابحث عن القارة المجهولة ـ او المستحيلات الثلاثة ، الغول والعنقاء والخل الوفى .. الكل استغرب سؤالى .. وكأننى كنت أسأل عن إبره فى كومة تراب .. » .

* محمد قطب محمود البدوى عاشق القصة القصيرة المكتبه الثقافية الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987 .

« لا يقترب من المعارك أو يقحم نفسه فيها ، ومن ثم لم ينتم إلى حزب أو اتجاه ، لقد رفض فى إدانة حاسمة ، كل شعارات التحزب ، وأفكارها الضيقه، كما نأى بنفسه عن كل تجمع شكلى .. تهبط فى مداخله الأخلاق التى يحرص عليها حرصه على حياته ..

* علاء عريبى م . القاهرة 14 / 1 / 1986

« آثر الزهد فى حياء بفنه ، آبيا أن يسعى كالآخرين وراء الضوء ، الضوء الزائف ، ضوء مافيا الاعلام ، رافضا كل الرفض منطق الحزبية والشلليه والمصالح النفعيه .. أثر الفن والصمت ، رفض فكرة العلاقات ، رفض التمذهب فى الأدب .. » .

* د. مصطفى عبد الغنى الأهرام 20 / 2 / 1986

« رحل فى هدوء كما عاش حياته .. وإذا كانت الأضواء قد غابت عن الرجل فى حياته وربما بعد مماته فإن قيمته ودوره سيظلان أكبر من كل الأضواء »

* فاروق شوشه برنامج امسيه ثقافيه 1986 « عاش البدوى حياته الطويله فى صمت ،
بعيدا عن ضجيج الحياة والمجتمع ، لم يعن ابدًا أن يكون واحدا فى مجموعه أو هيئة أو تجمع ، ولم يكن يشغل نفسه أن ينتمى إلى أحد ، ولا أن يكون فى شلة ولا أن تسلط عليه الأضواء » .

* أحمد زكى عبد الحليم م . القصه ابريل ـ مايو ـ يونيه 1995

« اكتفى بموهبته الاديبه تتحدث عنه دون أن يتيح للأخرين أن يلتقوا به ، وان يستمعوا إليه وان يتعرفوا إلى مقوماته الذاتيه والادبية »

« كان منطويا على ذاته ، لايرتاد المجتمعات ولا النوادى الثقافية ولا يختلط بالآخرين إلا قليلا ، وغالبا ما كان يأنس إلى نفر قليل دون أن يفتح قلبه أمام غيرهم ـ الصامت ، المنطوى ، الخجول »

« لقد كان محمود البدوى بارعا فى عالم الفن والخيال ، ولكنه للأسف الشديد كان يفتقد أدوات التعامل فى عالم الحياة والانسان ، فقد ظل طوال حياته بعيدا عن التجمعات والشللية ، لا يعرف الاتصالات الشخصية ، ولا يحاول أن يدفع بأخباره إلى الصحف فيظل فى دائرة الضوء كما يفعل كثيرون، رغم ان البدوى كان لديه ما يمكن أن يقدمه حقيقه ، دون أن يكون الهدف ـ كما يحدث الآن ـ عمليه التلميع من خلال الإصرار على أسماء معينه، بسبب وغالبا بدون اسباب »

* محمد شوكت التونى المحامى ص . المقطم 23 / 6 / 1936

« لو أنه كان من ذوى الجاه المادى الكبير أو من اصحاب المناصب الحكومية العاليه ، أو من ذوى النفوذ فى دور الصحف ووجد من يحرق البخور بين يديه ويغرس له أوراق الورد بين أنهر الصحف والمجلات ويطلق له أناشيد المديح واهازيج الثناء ، لكان لكتابيه ( الرحيل ـ رجل ) اليوم شأن أى شأن .. ينتج كى يرضى رغبته الفنيه سواء صاح حوله الصائحون أم أحس بأنه يعمل فى وسط قبور يخيم عليها جلال الصمت ووحشه السكون » .

* مجدى العفيفى ص . الأخبار 2 / 6 / 1982

يقول البدوى لمحاوره مجدى العفيفى « إننى سعيد بحياتى الهادئه البعيده عن الأضواء والشهره ، ولقد اسفرت الرحلة عن حكمة اؤمن بها ..

ان كل شىء باطل .. ولا يتبقى فى الحياة إلا المحبة والخير والجمال وهذا ما أسعى إليه فى كل كتاباتى » .

رسائل من أدباء ونقاد

عن شخصية البدوى . واخلاقياته وسلوك تعامله مع مجتمعه ، سأكتفى بنشر بعض الخطابات الوارده إليه والتى تعطى صورة كاملة عنه .

رسالة الأديب العالمى نجيب محفوظ فى 15 / 10 / 1981



*****



رسالة نعمان عاشور فى 7 / 2 / 1970

div align="center">


نص الرسالة


الكويت فى 7 / 2 / 1970

عزيزى الأخ الحبيب الاستاذ محمود البدوى
شوقى وحبى وعظيم تقديرى الدائم لك ولاخوتك لاحرمنى اللّه ابدا منك ومن عطفك الدائم .
خطابك الثانى ضاعف من قوتى ومنحنى من السعادة مالا يوصف ولست أدرى بأى لسان اشكرك على اهتمامك بى وبصحتى .. متعك اللّه بالعافية على الدوام .



الحمد للّه اننى أتقدم فى طريق الشفاء .. وذلك بفضل ما أحسه من رعايه وأخوه .. منك ومن كافة الاخوان الذين راسلونى بعد اصابتى .. ولا أخالفك أبدا فى عيون الناس وحسدهم .. نجاك اللّه من سوء ما فى البشر .. والبشر الذين نعيش بينهم ويالهم من بشر .. زادهم اللّه قدره على الحسد .. وزادنا مناعة ورد عنا غائلة حسدهم .. ولو علموا أننى هنا فى الكويت طريح الفراش واننى لا اكسب مليما واحدا وأعيش على مرتب زوجتى وهو مهما زاد فلا يمكن إلا ان يكفينا مغبة أفضالهم .. وكذلك كان حالى فى العام الماضى .. فأنا هنا ممنوع من أى عمل أو جهة بحكم اقامتى كمرافق للزوجة .. حسب قانون البلاد نفسه وحسب تصريح الاقامه .. ثم حسب ما ربما تعرفه جيدا عن كرامتى واحترامى لقلمى وفكرى ..

المهم .. سامح اللّه الكل .. والمهم أننى انعم بالاقامه وسط اولادى ومع زوجتى وهم كل وجودى .. كتب اللّه لنا السلامة والعودة بخير فى نهاية الشهور الباقية .. أتعرف أنهم أرسلوا إلى فى الجريدة يطلبون .. اما حضورى أو قطع مرتبى .. وانهم ممتنعون عن نشر ما ارسله من يوميات .. ثم ماذا أقول ..

يا أخى .. حدثنى عن فضل مزعوم لى عليك .. متى كان هذا الفضل وأنت صاحب الفضل كله .. انها رقة احساس بالغة لا تصدر إلا عن فنان فى مثل قامتك وخلقك .. ولا أطيل عليك متعك اللّه بكل صحة وتوفيق وسداد وابقاك لعائلتك وأهلك خير أب وزوج ولنا جميعا أوفى وخير الأصدقاء .

حبى الدائم الخالص وشكرى العميق وتمنياتى بالسعادة لكم ،
أخوك
( توقيع )

رسالة من الصحفى محمد أحمد عيسى فى 27/1/1979:








نص الرسالة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

عزيزى الأخ الفاضل الاستاذ الكبير محمود البدوى
تحيتى .. واشواقى الحاره وتمنياتى لك والأسرة بالصحة والسعادة .. وصلنى خطابك الكريم وأشكر لك شعورك النبيل بسؤالك عن أسرتى .. وهذا فضل لا أنساه وخاصة من يعانى الغربة القاسية مثلى .. وبدأت افكر يا أخى الكريم أننى تسرعت فعلا فى قبول هذه الاعاره والسفر إلى الخارج .. لأننا ـ وان كنا بين قوم من اطيب الناس ـ نعيش حياة تختلف تمام الاختلاف عن الحياة التى اعتدناها وكلها عمل وكلها انفعالات .. هنا الهدوء الكامل الذى لم أعتد عليه ابدا فى حياتى ولعلك تعلم ذلك منذ عرفتنى من سنوات بعيده وطويله .. ولكنها ارادة اللّه ومشيئته ... وقد فوجئت يا أخى الكريم إن الصحافة هنا قليله جدا .. جريده يومية واحده واعتقد مجلة واحدة مما لا يعطينى الفرصة لأمارس نشاطى ولو بالمجان وهذه عقبه كبيرة فى حياتى الجديدة ..

وتذكرنى يا أخى الكريم بلقاء كوبرى رمسيس عندما نلتقى وعلى وجهى ابتسامه المرح .. ولكن آه أين هى الآن إبتسامة المرح .. كل ما أرجوه أن أعود إلى وطنى واصدقائى ـ تحياتى إلى الأخ رستم وعاشور عليش ولك حبى ووفائى والسلام

محمد أحمد عيسى
البحرين
27 / 1 / 79


رسالة الدكتور محمد يوسف نجم فى 21 / 1 / 1964

div>




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نص الخطاب :

محمد يوسف نجم
الجامعة الأمريكيه فى بيروت
بيروت فى :21 / 1 / 64

أخى الكريم الأستاذ محمود

تحية وموده وبعد . لم اسمع اخبارك ولم أقرأ لك شيئا جديدا منذ مدة . لعلك تعد عملا جديدا تفاجئنا به كالعادة .

ما أزال بحاجة إلى المقالات النقدية التى وعدتنى بها . بعد 3 أسابيع سأبدأ فى تدريس الاقصوصه مع تلاميذى ، وأنا مصر على أن يكون لك حظ كبير فى هذه الدراسة ، نظرا لوقوفك شامخا بين كتابنا المحدثين . اعلم انك تتضايق من مسائل البريد ولكن لأجل خاطرى أرجوا أن تضع هذه المقالات فى مغلف وان ترسلها بعنوانى ـ الجامعة الأمريكية ـ وسأستنسخها على الآلة الكاتبه وارسل لك نسخة منها . ارجو أن يصلنى ردّك بالايجاب فى أقرب وقت . ولك الشكر والموده .

من أخيك
( توقيع )

رجاء خاص : لكى تسهل على الطلاب الذين يدرسون قصصك أرجو كذلك ان تختار أحسن عشرين أقصوصة لك تمثل اتجاهك وتطوره منذ بداية الكتابة يكفى ان تذكر الاقصوصه واسم المجموعة فقط .

رسالة من الدكتوره أمينه السعيد فى 19 / 7 / 1936












نص الخطاب :

حضرة الاستاذ الفاضل محمود بدوى

أهديكم تحية صادقة

وأتمنى إلى اللّه أن تكونوا متمتعين بالصحة والهناء ..

وصلنى منذ مدة ليست بالبعيده مؤلفكم ( رجل ) وكنت أحب أن أشكركم فى حينه لولا اننى نزيله مستشفى الاسماعيلية منذ شهرين بسبب مرضى . وها أنا انتهز فرصه تحسن صحتى لإبلغكم شكرى الجزيل واعتذارى عن التأخير وعشمى ان تقبلوا منى هذا الاعتذار ...

اما عن الكتاب فقد قرأته ووجدت فيه لذه ومتعه لأنه صور وان كانت صغيرة إلا انها تمثل الحياة العاديه وهذا أفضل ما يقدمه المؤلف إلى القراء ..

ومعظم الكتاب يصور صراع رجل بين واجبه وقلبه وانتصار الرجوله فى نهاية الأمر ويخيل إلىَّ أنها صوره صادقة لأمر حقيقى فى قلب المؤلف .

فهل صدق ظنى أم أن قدرتك فى التعبير قد صاغتها فى هذا القالب الواقعى .. ؟؟ !!!
على كل اهنئك واتمنى لك دوام النجاح واشكرك من كل قلب .

ودمتم إلى
المطيعه
أمينه السعيد








نص الخطاب

سيدى محمود البدوى المحترم

تحية طيبه وبعد

قد وصلنى خطابك العزيز ، فسررت بسلامة وصولك لأرض الوطن فإن وجودك فى ليننجراد قد أثر علىّ تأثيرا كبيرا . فإننى قد كنت كثيرا ما أقرأ قصصك الجميلة وأتحدث معك بدون أن أراك .

والآن أنا أقرأ فكأننى أسمع صوتك الهادئ الملىء بالهيبة والوقار ، وأتصور رحلتنا إلى متحف الأرميتاج وزيارتكم إلى جامعتنا .

واشكر لك على خطابك والذكرى .

أما أنا ففى الفترة الأخيرة لا أترجم شيئا إلى الروسية لأننى مشغولة بكتابة سلسلة المقالات عن شعراء العاميه فى مصر كما قد أخبرت فى وقت إقامتكم هنا .

فمنذ فترة قصيرة قد نشرت مقالة صغيرة عن الاستاذ طه حسين وهى فى دائرة المعارف العربية التى تنشر هنا الآن .

ولكنى لا أترك الفكرة فى ترجمة القصص ، وفى خطتى أن أترجم بعض القصص لحضرتك كما اريد أن اترجم بعض القصص للاستاذ حلمى مراد من المجموعة التى تشرفت بأن استلم منه هدية غالية .

وكيف أحوال سيادتك ؟ أنشرت قصصا جديدة ؟ أفى نيتك كتابة شىء عن زيارتك إلى الاتحاد السوفيتى ؟ ربما فى شكل قصص كما كان فى مجموعتك السابقة عن زيارتك إلى الشرق الأقصى .

وكل هذه القصص لحضرتك جميله ورائعة .

وكيف احوال اصدقائنا الاستاذ حلمى مراد ومحمود حسن اسماعيل وصلاح عبد الصبور ؟ تحياتى الطيبه لهم .

إننى سأكون فى غاية السرور بأن استلم خطابات من حضرتك وهذا شرف كبير بالنسبه لى .
ومع احسن تمنياتى بالصحة والسعاده والنجاح .

المخلصه اولجافرولوفا



فتاة من طشقند

فى أثناء قيامى بالبحث والتنقيب عن حياة البدوى الخاصة التى لا يعرفها أحد ، أطلعت على الاوراق والرسائل التى تركها فى درج مكتبه ، ووجدت مجموعة كبيرة جدا من الرسائل والكروت المرسلة إليه من أدباء وأديبات وأصدقاء ، مصريين وأجانب منذ رحلته الأولى عام 1934 كتبت بلغات أجنبيه مختلفة وباللغة العربية .

ولكن الذى شد إنتباهى وتوقفت عنده طويلاً خطاب مرسل من طشقند يوم 29 أغسطس 1970 .



وقال البدوى بذكرياته المنشورة بمجلة الثقافة عدد نوفمبر 1979 « منذ سنوات طويلة ، إتصلت بى سيدة أجنبية ، وأبدت رغبتها فى مقابلتى وقالت لى أنها جاءت إلى القاهرة متطوعة لدراسة القصة المصرية ، وتود اللقاء لهذا الغرض . وعلى الرغم من أننى أتردد كثيرا فى تلبية مثل هذه الرغبات لأن من لا شأن له فى بلده لا يسعى بالبداهة فى ان يكون له شأن فى بلاد الآخرين .. ولأنى فى أعماق نفسى أعتقد بأنى لم اكتب شيئا بعد أستحق عليه الدراسة والبحث . ولأن الكثير من هؤلاء المستشرقين يكونون عيونا لبلادهم. ويتخذون من الاستشراق ستارًا يخفون به نواياهم الحقه .

أقول وعلى الرغم من كل هذه الاعتراضات ، فإن المتحدثه سيدة ، وقد الحت وعرفتنى بأن من قابلتهم عرفوها بطباعى فى إحتمال الرفض . ولهذا ترجو ، وتحت رجائها وافقت وتركت لها حرية إختيار المكان ، فاختارت حى الأزهر لأنها تعرف مسالكه .

وجاءت بأديب يعرفنى ليسهل لها الاهتداء إلىَّ فى المقهى .. وفوجئت بشابة أقل من العشرين ربيعا . ولم تكن سيدة نصف كما تصورت من حديثها الأول، وصوتها فى التليفون ، وأراد الشاب أن يستأذن بعد أن تم اللقاء ، ولكنى أبقيته ليشرب الشاى معنا .

وكانت تتحدث العربية بطلاقه واللهجة المصرية بعذوبة أيضا .. وحدثتنى أنه مضى عليها ثلاثة أشهر فى القاهرة . وقد اقتربت من إستكمال بحثها ، فيما يتصل بالادباء الآخرين .. أما أنا فلا تعرف عنى إلا القليل .. وقد رأت أن تسقطنى من الحساب بعد عجزها عن مقابلتى ، لولا أن استاذها ـ بعد أن كتبت له رسالتين ـ أصر على وجودى واستكمال البحث شاملا كل الاسماء التى عينها لها قبل سفرها إلى القاهرة .

ومن هنا ادركت اصرارها على مقابلتى كما أدركت جدية البحث . وكانت الشابه من طشقند وملامحها شرقية خالصة . ولولا زرقة خفيفه فى عينيها الناعستين ما بعدت عن المصريه فى شىء .

وكانت نحيفة القوام طويلة صبوحة الوجه فى جمال يريح من يقترب منه ويبتعد عنه ، خفيفة الحركة تغطى شعرها الاسود بوشاح خفيف الزرقه وعينها بنظارة تقيها الحرارة والغبار فى أواخر مايو .. وكان فستانها سنجابيا من قطعة واحدة ، يبدو من بساطته انها هى التى فصلته لنفسها .

وكان كل حديثها فى الأدب والقصة .. ولم توجه إلى سؤالا واحدًا يشتم منه رائحة السياسة .. وأدركت من حديثها أن أستاذها فى جامعة طشقند ، هو الذى اختار لها هذا البحث ، بعد ان لمس رغبتها الشديدة فيه .. ولهذا مضت بجدية ونشاط .. وستكمله بجامعة موسكو ..

وإلتقينا كثيرا بعد اللقاء الأول فى نفس المكان أو قريبا منه وتغدينا ذات مرة فى مطعم كباب صغير بالحى .. ورغم دخان الفحم الذى ملأ عينها ، وهى تأكل ، لشى اللحم على النار ، فإنها لم تتأفف ولم يبد عليها التذمر . وكانت تأكل بشهية وتتحدث بمرح وطلاقه .

وكانت تنزل فى منزل للفتيات فى حى الزمالك فكنت عند عودتها أختار لها سائق التاكس الذى يوصلها إلى بيتها وأختاره بدقه . وأحيانا أركب معها حتى الإسعاف .

ولاحظت هى ذلك ، وانى شديد الحرص على راحتها وأمنها .. فظلت تحتفظ بهذه المشاعر فى نفسها .. ثم اطلقتها مرة واحدة بعد أن سافرت .

وفى صباح يوم حملت معها تسجيلا وسألتنى عن مذهبى فى الكتابه .

وقد ضحكت فى نفسى من هذا السؤال الاكاديمى ..

فأنا اكتب ما أشعر به ، وأحسه بوجدانى ، وأعيشه فى حياتى .. واكتب عن تجربه صادقه . ولا أفتعل الحوادث ولا أزينها .. ولا أتقيد بمذهب ولا أعرف المذاهب . وأنا واقعى مثل جوستاف وفلوبيرودكنز وجوركى وتشيكوف وطبيعى أحيانا مثل زولا .. وهؤلاء لم يدرسوا الواقعية ولا الطبيعة قبل كتابتهم. وإنما كتبوا بالفطرة . ومتأثرين بالجو الذى يعيشون فيه ، وبالأشخاص الذين يلتقون بهم فى الحياة . فشخوصهم حية عامرة بنبض الحياة . ولهذا عاشت قصصهم .

وأتا متشائم أحيانا ، ومتفائل جدا أحيانا أخرى ، تبعا لمدارج حياتى .

ولم أتلق الكتابه عن استاذ ، ولم يوجهنى شخص .. واكتب فيض مشاعرى، لا نفس عن نفسى وأعيش .. ولو لم اكتب لمت بالسكته من فرط الاحساس بعذاب الناس . وما تطحنهم به الحياة ، وما تصيبهم به قارعات القدر . وما يلاقونه من عنت وظلم فى العجلة الدوارة .

وأنا كالشاعر الذى يقول الشعر بالسليقه قبل أن يتعلم العروض . واكتب قبل أن أعرف المذاهب الأدبية .. ومعرفتها هراء فى هراء .. والكتابة القصصية فن والهام يأتيان بالفطرة .. والقراءة والدرس لإكتساب الشكل الفنى ألا مثل وتجويده ، ولاتساع مدارج التفكير وعمق النظرة للحياة .

وقد تأثرت بالمازنى ككاتب روائى وأديب متفرد . وأسلوبه من أحلى واجمل الاساليب العربية .. كما أن شوقى أعظم الشعراء .

وقد مهد إلى سبيل الكتابة والنشر أستاذى الزيات . ولولاه ما واصلت الكتابه ، ولاكتبت حرفا .. ولأصابنى العجز والضيق فى أول الطريق .. وكانت رسالته رحمه اللّه رسالة الرسالات وقد عجزت الدولة من بعده بكل إمكانياتها أن تخرج مثلها . فالعمل الأدبى إخلاص وتضحيه ولا يزيد ولا ينقص بعدد الأشخاص الذين يتولونه .

وانا آخذ الشكل الفنى من تشيكوف فى لمساته الإنسانية وصدقه فى العرض وعنايته بالشخوص المسحوقة هى موضوعى الأمثل فيما اكتب .

وأستفيد من كل كتاب اقرأه ، وما رددت كتابا وقع فى يدى قط ولا استثقلت ظله ، فأى كتاب تقرأ تستفد .

والنهضة الادبية عندنا عظيمة . ويعتريها المد والجزر ككل شىء فى الحياة.. وهناك تطور ملموس فى الرواية والقصة القصيرة وتجديد وخلق لا ينكره أحد ..

سألتنى :
ــ هل عندكم أديب مثل غوركى .. ؟
ــ أجل .. عندنا العقاد .. وقد يكون أضخم منه .. ولكنكم تبرزون أدباءكم بوسائل كثيره .

أما نحن فلا نزال فى أول الطريق .. واليهود من أدبائكم .. يتلقاهم اليهود فى العالم بضجة وبوسائل دعائيه هائلة .. وتلك هى طريقتهم . ثم يفوق العالم لنفسه ، ويجد أن كلامهم لا وزن له ولا قيمة .. وأدبنا تنقصه الدعاية لينتشر ، ولكنا نكتب ما نشعر به بحريه .. ولم يوجه الأدب عندنا إلى شىء معين ومنذ مئات السنين والادباء يعبرون عن روح الشعب وآلامه ـ لأنهم خرجوا من صميمه وعندما سيطرت الدولة عندكم على الادب ووجهته مات فى المهد ولم يعش منهم أديب واحد ..

والعالم لا يقرأ الآن إلا تولستوى .. وجوجول .. وتشيكوف .. ونور جيتيف .. وبوشكين .. وحاولتم وأد دستويفسكى ، ولكنه كان أقوى من كل من حاربه . وعدتم إلى طبع كتبه .. بعد أن أدركتم أنه فخر لروسيا أن يكون دستويفسكى كاتبا روسيا .. كما يفخر الانجليز بشكسبير .. والالمان بجوته .. والطليان بدانتى والعرب بالجاحظ .

ــ ولماذا إكتفيت بالجاحظ ؟
ــ لأن فيه الكفايه ..

والفكر خالد وسرمدى ، ولا قيود يمكن ان تطمس وهجه .. والقارئ يحب أن يرى وجهه فى الكتاب الذى يقرأه . ويلمس مشاعره وأحاسيسه بين السطور ، وأخلد الكتاب هم الذين صوروا الحياه بصدق . وأنا أقرأ أدب الحرب والدعاية ، وأشعر بغتاتة ، فهل الالمان وحدهم هم الذين قتلوا النساء والأطفال فى الحرب وهتكوا الاعراض .. والروس والإنجليز والأمريكان لم يفعلوا ذلك ، هل كانوا فى نزهة ويمسحون على أزرع النساء فى المانيا وإيطاليا ويربتون على أكتافهن .. إن التاريخ لا يغفل مهما حاول المنتصرون طمسه . لقد لاقى النسوة العذاب والهوان بعد الهزيمة . وذهب ماء وجوههن فى حالات الجوع والتشرد .

ويل للمغلوب كما قال غليوم .. وفظائع الحرب تصيب الجميع بالدمار والفساد والتمزق ، وعلينا أن نكتب الحقيقه والصدق .

وخرجنا فى عصر يوم من الأزهر إلى الغورية والمغربلين . وسرنا فى شارع محمد على فى اتجاه القلعة .. ولم نشعر بالتعب من طول المشى .. ولاحظت هى أن الباعة والتجار فى هذه الاحباء على دماثة فى الخلق وذوق وأدب فى الحديث .. فسألتنى عن السبب .
ــ هذه هى مصر الخالصة .. وهؤلاء هم المصريون الخلص .. فى السيدة والحسين وطولون والقلعة .. أما الاحياء الاخرى فقد إختلطوا بالوافدين من كل الاجناس .. فتغيرت طباعهم تبعا لذلك ..

وكنا قد قطعنا شارع محمد على ، وصعدنا فى الطريق الضيق الذى بين مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعى .. وكان تيار الهواء شديدا عندما أصبحنا فى هذا الموقع للارتفاع الشديد بين الجدارين .. فجرف الهواء الغطاء الذى تغطى به رأسها ، وطار ثم وقع .. وطار ثم وقع وجريت وراءه ..

ووقفت تنظر وتصيح بالحاح :
ــ أتركه .. أتركه ..

ولكنى بعد جهد شاق وجرى طويل .. أمكننى أن أمسك به وأعود به إليها وأنا ألهث .
وقرأت فى عينيها ، وملامح وجهها ، وحركة صدرها .. أنها كانت تود أن تفعل شيئا تقتضيه السليقه كتعبير عن الشكر .. ولكنها ردت هذا الانفعال الطبيعى بعنف فى أخر لحظة لما رأت جهودى وفتور عواطفى .. وكان من رده أن أخضلت عيناها بالدمع ، وارتفع صدرها وانخفض ، وتلجلج صوتها بضحك هستيرى .

وحولت وجهى حتى هدأت .. ثم أمسكت بيدها ودخلنا مسجد الرفاعى.. وحدثتها عن قاهرة المعز لدين اللّه .. وما فيها من مساجد وأضرحة.. واعتقاد الشعب بأن اللّه يحمى القاهرة من كل غزو ودنس تكريما لاهل البيت ومثواهم فيها .. وهى اللمسة الروحيه تنفع الناس ، وتعطيهم ثقة مؤكده ..

ــ ولكن قد تضر .. لأنها إتكالية ..
ــ ابدا إنها تدفعهم فى وجه الغازى بضراوة .. وكل حوادث التاريخ تبين هذا .. اللمسات الروحية فى اعماق النفس لها وهج كبير .. وعندما دخل نابليون .. تصورى نابليون بكل إنتصاراته وغزواته .. عندما دخل بخيله الأزهر إنهزم .. إنهزم وجر أذياله ..

وخرجنا إلى جولة فى الحى وكانت تنظر إلى قباب المساجد والمآذن المحيطة بنا وعيناها مخضلة بالدمع .. وتحدثنا عن عمر بن العاص عندما دخل مصر ، وحكم العرب للمصريين ورسالة عمر بن الخطاب إلى قائد جيشه تشريع إسلامى ودستورى للحرب إنسانى عادل حازم لم يحدث بعدها مثله فى كل ما حدث فى الدنيا من حروب .. وحدثتها عن العرب عندما دخلوا تفليس وحكموها وأقاموا بها مئات السنين وبعدها إنتشروا فى روسيا ومقاطعاتها ومنها طشقند .

قلت لها
ــ لابد ان يكون جدك عربيا « يا ثريا » .
فضحكت وقالت :
ــ إن أستاذى يقول هذا ..

وركبنا فى العودة الترام .. وكانت تركبه لاول مرة وطال حديثنا وتشعب.
وسألتها :
ــ هل فكرت فى الزواج .
ــ بعد اتمام دراستى .. افكر ..
ــ ومتى تنتهى من هذه الدراسة ..
ــ بقى لى سنتان .. وسأمضى منهما سنه فى جامعة موسكو ..
ــ وكم بقى لك من الزمن فى القاهرة .. ؟
ــ نصف شهر ..
ــ إذن سأبحث عن القصص التى تنقصك من اليوم ..
ــ شكرا .. وسنتقابل كل يوم إلى أن أسافر .. ولن أحتاج إلى الدليل .. فقد عرفت مكانك المختار ..

وسافرت « ثريا » فجأة .. وعلمت بسفرها من رسالة بعثتها بعد أن وصلت إلى بلدها . وكتبتها بخط عربى جميل أوضحت فيها عنوانها وفاضت فيها كل مشاعرها .. وكان الشكر فيها على كل ما قدمته لها من عون لتحضير رسالتها .. هو الغالب على كل التعابير .

وشاءت إرادة اللّه أن اسافر إلى موسكو .. وكان فرحى لأنى سألتقى « بثريا » أكثر من فرحى لأنى سأزور بيت تشيكوف .. وأرى المكان والجو الذى عاش فيه ذلك الكاتب العظيم .
« وكتبت لها رسالة قبل سفرى »

* * *

سافر البدوى فى بعثه ثقافية إلى موسكو فى يناير 1973 ، وبعد معرفته للفندق الذى نزل فيه أرسل إلى « ثريا » رساله ، ولما لم يتسلم أى رد منها تصور أنه أخطأ كتابة العنوان باللغة اللاتينيه .

ويقول « فنزلت فى بهو الفندق وأول سيدة روسية قابلتها .. طلبت منها ـ دون تمهيد ـ أن تكتب العنوان بالروسية على ظرف معى .. فكتبته وهى تبتسم .

والمشاعر الجامدة التى قابلت بها الفتاة فى القاهرة لفارق السن الكبير بيننا ولأنها أولاً وأخيرا ضيفة وطالبة وصغيره .. إنقلبت فى موسكو إلى حالة اندفاع هستيرى .. فكنت أبحث عنها فى كل الوجوه الإنثوية التى التقى بها عرضا فى الطريق والمتاحف والجامعات ودور الكتب .. ولم أكن أدرى ما الغرض من اللقاء وما الذى يمكن أن يحدث بعد اللقاء .. ولكنى كنت أصر عليه وأبذل كل وسيلة .

ولم يبق إلا القليل من الأيام .. وأعود إلى القاهرة .. وأصبحت فى حالة يأس .. وبينما أنا أتمشى فى البهو الصغير للفندق الملاصق لسوق البيع بالدولارات .. لمحت سيدة خيل إلىَّ أنها أمها أو أختها الكبيرة ..

وسألت بأدب بعد تمهيد .
ــ السيدة من طشقند .
ــ لا أنا من جورجيا .
ــ حسبتك من طشقند .. وأرجوا المعذرة ، أطلب منك كتابه هذا العنوان على طشقند .. وكتبته بدقة وعناية .. وسألتنى بعدها فى خجل وشرود وقد رأت دولارين فى يدى ..
ــ أمعك خمسة من هذا ..
ــ أجل معى ..
ــ الست فى حاجة إليها .
ــ أجل .
ــ سأشترى شيئا من السوق هناك .. ولا يوجد مثله إلا فى هذا السوق ..
ولا يبيعون إلا بالدولار ..

وأخرجت لها ورقه بخمسة دولارات ..
فتناولتها وسألتنى .
ــ أتقيم فى هذا الفندق .. ؟
ــ نعم ..
ــ ما رقم الغرفة ؟
ــ لماذا .
ــ سأجىء لك بالبديل .. بعد ساعة ..
ــ يا سيدتى هذا مبلغ بسيط .. وماذا أصنع بعملتكم وأنا مسافر غدا ..
ــ ولكن لن آخذ دون أن أعطى ..

ومدت الورقة لتردها .. مع أنها عزيزة جدًا عليها .. كانت كأنها وجدت فى هذه الورقة الضئيلة القيمة كنزا .. كنزا تشترى به زجاجة عطر فرنسية أو شيئا آخر من خصوصيات المرأة .. لا تستطيع الحصول عليه إلا بالدولار ..

وكان الدولار يبرق فى القاعة ويتوهج ويشتعل كالنار الحاميه .. وفى كثير من الحالات يسبب المآسى الإنسانية .. ولعنت العبقريات التى تبيع القيود وتكون السبب فى هذه المآسى » .

* * *

حياة البدوى الوظيفية

استمر البدوى فى العمل بوزارة الماليه منذ التحاقه بها فى 12 / 3 / 1932 ولم يطلب نقله للعمل فى وظيفة اخرى لها صلة بالآداب وفنونه مثلما فعل زملاء آخرين له من الأدباء ، وكان راضيا قانعا بوظيفته إلى أن احيل إلى المعاش لبلوغه سن الستين .

وحياته الوظيفيه كما سطرها بخط يده
تاريخ الألتحاق بالعمل
12 / 3 / 1932
تاريخ التثبيت
1 / 9 / 1934
تاريخ العمل بحسابات الحكومة
9 / 2 / 1938
تاريخ الترقية إلى الدرجة السادسة
1 / 11 / 1949
تاريخ الترقية إلى الدرجة الخامسة
1 / 12 / 1954
تاريخ الترقية إلى الدرجة الرابعة
1 / 3 / 1958
تاريخ الترقية إلى الدرجة الثالثة
30 / 3 / 1961
تاريخ الترقية إلى الدرجة الثانية
29 / 11 / 1962

وشغل وظيفة مراقب عام بوزارة الخزانة

* * *

فى 6 / 1 / 1969 تلقى الخطاب التالى ؟


الأيام الأخيرة

أصيب البدوى بقصور فى الدورة الدموية للقلب ، ورغم ذلك ظل يكتب، وكان يشعر بالانقباض والتشاؤم من توقف الساعة المعلقه فى صالة البيت ، ويطمئن بعد تحرك بندولها ، ويفكر فى الموت كأمر حتمى يقع لكل إنسان .

وقال للأديب محمد جبريل فى الحوار الصحفى الذى اجراه معه بمجلة السياسة الكويتية بعددها الصادر 16 / 2 / 86
(1) « يشعر دائما بأنه سيموت فى الشارع مثلما مات إدجار ألان بو .. صحيح أن الموت واحد ، ولكن الفارق الوحيد بين شبح الأديب الأمريكى ، والشبح الذى أراه ، أن بو وجد كرسيا فى الشارع مات فوقه ، أما أنا ، فلم أشعر أنى سأجد حجرا أرقد عليه »

وكانت آخر رحلة قام بها فى 6 / 6 / 1984 إلى الاراضى المقدسة وحينما عاد من هذه الرحلة بدأ يكتب القصة الدينية ، فكتب قصة سماها « الطوق » وتحكى عن سيدنا موسى منذ ولادته أيام فرعون وحتى ذهاب الرئيس السادات إلى القدس « لم تنشر » والقصة الثانيه باسم « المعراج »
(2)

وكان لا يتخلف عن حضور لجان القصة بالمجلس الاعلى للثقافة وتقول الأديبه صوفى عبد اللّه
(3) « .. أخر مرة كان يجلس أمامى فى الاجتماع منذ 3 أسابيع واثناء جلوسه تدفق الدم من أنفه فوضع منديله عليه ولم يتكلم وعدت به إلى منزله وانا فى غاية الاضطراب »

ويقول الأديب رستم كيلانى بذات الجريدة « إتصل بى تليفونيا يشكرنى على سؤالى عنه وهو مريض بالرغم من ان الاطباء كانوا ينصحونه بعدم الكلام » .

وجاءت إبنة عمه هدى ، جاءت من الخارج لزيارته ، ووجدت الطبيب معه يطمئنه عن حالته فقال له إنى أرى الموت أمام عينى ، وبعد بضعة أيام قليلة ! إنتهى ، إنتهى فى يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر فبراير 1986 بمنزله ونقل جثمانه إلى قريته ـ الاكراد بمحافظة اسيوط ـ حيث دفن بمقابر الأسرة بالجبل الغربى .

* * *

(1) مأخوذ من كتاب آباء الستينيات لمحمد جبريل ـ مكتبة مصر 1995 .
(2) قصة غير كاملة .
(3) ص . الأخيار 19 / 2 / 1986 .







ليست هناك تعليقات: