الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2007

الفصل الأول ـ النشأة الأولى



الفصل الأول : النشأة الأولى
أولاً : القرية
جد (أب أب) محمود البدوى
ثانيا : والد محمود البدوى عمدة القرية
زواجـــه
حياة ومعيشة العروس فى القرية
والد العروس
أسلوب العمدة فى إدارة شئون القرية
ثالثا : أبناء العمدة
رابعا : وفاة والدة محمود البدوى

حالة محمود البدوى بعد وفاة والدته

أولاً : القرية
يقول البدوى(1) : "نشأت فى قرية صغيرة بقلب الصعيد تقع على النيل مباشرة وقريبة من الخزان .. فى جو تتجلى فيه الطبيعة بأجمل مظاهرها .. الماء والخضرة ويسوده الهدوء .. فعشت عيشة هادئة لم يعكر صفوها أى شىء" .
قرية الأكراد إحدى قرى مركز أبنوب بمديرية أسيوط(2) وهى قرية تقع على النيل مباشرة وقريبة من خزان أسيوط ، عاش أهلها عيشة هادئة بفضل عمدتها الرجل القوى الجسور الشيخ حسن عمر الذى إتبع أسلوب والده وجده وسار على نهجهما فى المحافظة على إستتباب الأمن والنظام فى القرية ، فكانت بمنأى عن الإجرام والمجرمين وقطاع الطرق ورجال الليل ، رغم ما كان يعرف عن هذه المنطقة من الصعيد "أبنوب" بأنها مرتع للجرائم والأخذ بالثأر .
"فهى تعد أشهر منطقة فى العالم إحتشادًا بالقتل ، كما جاء فى إحصاء أحد الأعوام لأكثر بلدان الدنيا التى تنتشر فيها جريمة القتل ، إلى درجة بزت فيه المثال العالمى لهذه الجريمة وهى مدينة شيكاغو الأمريكية(3) " "والتى سجلت الإحصائيات أنها ثانى بلاد العالم فى نسبة الجرائم بعد شيكاغو(4) "

جد (أب أب) محمود البدوى

تزوج عمدة القرية بزيجتين ورزق منهما بثمانى ذكور وست إناث ، وسأكتفى بذكر الذكور دون الإناث ، والذكور هم على الترتيب محمد وأحمد ورياض وحسين وحفظى وعمر وزينهم ومحمود .
وكان العمدة وأولاده يقيمون فى دار كبيرة وواسعة ، ويقوم على شئونهم وقضاء حوائجهم أربعة من العبيد وبعض الخدم ، وبجوار هذه الدار وملاصقة له مقر العمدية وبيوت بعض أفراد الأسرة وأمامه مساحة من الأرض الفضاء واسعة ، ويحتوى مقر العمدية على حجرة السلحليك ومضيفة العمدية وبيت كبير للضيافة يتم الصعود إليه بعدد من السلالم وأحيط المقر بسور مبنى من الطوب (لا يزال المقر موجودا وتعتنى به الأسرة وبملحقاته حتى الآن) .
ويمتلك العمدة أرضا زراعية تقع فى القرية وفى القرى المجاورة لها ويباشر زراعتها بنفسه .
بعد موسم جمع المحصول وتخزينه فى الأجران ، يأتى تجار الغلال من ساحل روض الفرج بالقاهرة بالمراكب لشراء المحصول بالعملات السائدة فى ذلك الزمان "المعدنية" وكان العمدة لا يمس هذه الأموال بيده ، بل يقوم التاجر بعدها ووضعها أمامه على الطاولة وبعد الانتهاء من بيع المحصول فى تلك الساعة من النهار ، يأتى الخدم بالأوعية (الطشوت) والماء والصابون ويجلسون أمامه يغسلون العملات ويكون هو "أى العمدة" فى أثناء ذلك فاتحا كتاب الله يتلو منه بعض الآيات .
وتوفى العمدة سنة 1905 واستمر أولاده من بعده يتولون العمدية ، فقد تولاها على الترتيب .
محمد فى سنة 1905 .
أحمد من نهاية سنة 1905 إلى أن توفاه الله عام 1941 تخللتها فترة تولى فيها شقيقه رياض العمدية .
زينهم من سنة 1941 إلى تاريخ وفاته عام 1991 "ولم يتم شغل المنصب بالقرية حتى الآن " .
أما حفظى وعمر فقد التحقا بالبوليس وتدرجا فى الترقى إلى أن وصل كل منهما إلى رتبة اللواء .
وحسين ومحمود أتما تعليمهما العالى بمدرسة الحقوق العليا والتحق الأول بالسجل التجارى والثانى بالنيابة العامة ثم القضاء .
* * *

ثانيًا : والد محمود البدوى عمدة القرية

تولى أحمد العمدية عام 1905 ، وكان فى الثامنة عشرة من العمر ، ويقتضى الأمر تزويجه ، وكانت والدته على صلة كبيرة بالأسر الطيبة فى جميع أنحاء قرى ومديرية أسيوط ، فاختارت له بنت عبد المنعم التونى عمدة إتليدم، وكانت هذه القرية آخر حدود مديرية أسيوط (حاليا تتبع القرية محافظة المنيا) وبدون أن يرى العروس ، أتمت الأم إجراءات الزواج ، وقام العمدة بتشييد مسكن الزوجية أعلى بيت الضيافة الملحق بمقر العمدية ويتم الصعود إليه من خارج السور المحاط بالمقر "لا زال موجودًا حتى الآن" .
زواجــــه :
وفى اليوم المحدد لوصول العروس مع والدها إلى قرية الأكراد ، كان العمدة "العريس" يجلس وبصحبته المهنئين وأخوات والدته (أخواله) وامتلأت المضيفة بالمهنئين وقبل الغروب سمع الفلاحون نقرًا شديدًا بالدف آتيا من بعيد، والنساء تزغرد والمزامير تزمر ، فقد كانت العروس آتية فى موكب مهيب ، وتركب عربة مزدانة تجرها الجياد ، والرجال حوله حاملين المشاعل ، وترقص الخيل على وقع الدف والرجال يلعبون لعبة التحطيب ، والرصاص ينطلق من جميع أنواع البنادق ، وأتى الفلاحون من البلاد المجاورة والفرحة تغمر الرجال والنساء والأطفال كأنه يوم عيد ، وعم الفرح كل بيت فى القرية فقد كان العمدة محبوبا من الجميع .
وصل الموكب وتوقف أمام الدار ، واستقبلت العروس ووالدها ومرافقيها بالمودة والترحاب ، وازداد سرور الأهل والأقارب ، فقد كانت فى هيئة تدل على الأصل الطيب وأنها نبتت وتربت فى بيت كريم .
كادت أم العريس تجن من الغيظ حينما شاهدت الموكب على تلك الصورة ، كانت تتوقع أن يتم الزواج من غير احتفال ، لأن الأب لم يمض على وفاته غير أشهر قليلة ، وخشى أخوات الأم وهم من قرية الطوابية ــ قرية قريبة من الأكراد ــ أن تثور حينما تسمع وترى الطبل والمزمار والرقص على الجياد ، والأسرة لازالت فى فترة الحداد ، فقاموا بإدخالها إحدى حجرات الدار ، وأغلقوا عليها الباب إلى أن ينتهى الفرح ، ومرت الحفلة بسلام .
ويقول محمود البدوى فى حوار له نشر بمجلة أسرتى الصادرة فى 31 يناير سنة 1981(1) " ولدت أمى لأب صعيدى غنى ومن أسرة معروفة ، وكان من الأعيان المتنورين ، وهو عبد المنعم التونى .. وكان يملك مساحة كبيرة من الأرض تبلغ 800 فدان ، فجعلته يبنى لنفسه قصرا فى أوائل هذا القرن فى قريته إتليدم مركز ملوى مديرية أسيوط ــ وتتبع اليوم محافظة المنيا ــ إستورد لها الرخام والزجاج الملون من إيطاليا " .
* * *

حياة ومعيشة العروس فى القرية

فى بداية حياة العروس الزوجية ومعيشتها فى القرية ، سمعت صراخ وعويل طفل لم يبلغ الثامنة من عمره ، فنظرت طفلا متسخا وممزق الثياب يقف فى الساحة أمام الدار يبكى ، وتفطر قلبها حزنا عليه ، فأرسلت الخادمة وجاءت به إليها ، ووقف الطفل بين يديها وعلمت منه أنه أتى من قرية مجاورة مع أبيه وأمه إلى جدته بالقرية ، وانصرف أباه من مدة طويلة ولم يعد ، وتصادف اليوم أثناء مروره على الجسر أن شاهد أولادًا يلعبون ، فوقف يشاهد ، فنهروه ، فلم ينصرف ، فضربوه .
أرسلت العروس الطفل مع الخادمة فنظفته وأطعمته ، وبعد أن زال غمه وكربه صرفته على أن يعود إليها فى اليوم التالى .
أعطت العروس الخادمة نقودًا وطلبت منها أن ترسل أحد الخدم إلى السوق لإحضار قماش لتحيك للطفل ملبسًا ، ولكن الخادمة أخبرتها أن بالقرية الكثير من أمثاله ، فأزادت (كان الأطفال بالقرية يلعبون فى الطين وثيابهم ووجوههم ملطخة بالوحل) .
جاء الخادم بالقماش ، فحاكت العروس الجلاليب للصبية والبنات "ماكينة الخياطة كانت من بين جهاز العروس" وأرسلت الخادمة لتوزيعها ، وعندما علمت أمهات الأطفال بصنيعها ، إزدادت سعادتهن بها والتفوا حولها معبرين لها عن حبهن وإمتنانهن وتقديرهن لها .
وأصبحت سيرتها الحلوة على لسان أهل القرية .
كانت العروس تمتاز بالذكاء المفرط ، فلم تنس واجبها نحو بيتها ، فبالرغم من وجود الخدم بالبيت ، إلا أنها كانت تشعر بسعادة غامرة وهى تطهو بنفسها الطعام ، فلم تعامل الخدم على أنهن من طينة غير طينتها ، فأحبوها وأخلصوا لها ، فقد كانت فى الطهى وصناعة الحلوى لا ضريب لها ، واستطاعت بعقليتها المتفتحة أن تجمع حولها أخوات زوجها ونساء العائلة ، وعلمتهن ما تجيده من فنون الطهى وحياكة الملابس ، وأصبحن يترددن عليها فى الوقت الذى يبصرن فيه بزوجها فى مقر العمدية أو يطوف بالقرية .
* * *
والد العروس

كان والد العروس يرسل إليها فى موسم جمع ثمار الفاكهة مركبا شراعيا كبيرا محملا بثمار الفاكهة من نتاج بساتينه وأشياء أخرى ، ويجىء إلى القرية صباح يوم وصول المركب ، ويجلس مع العمدة أمام الدوار ، وحينما يشاهد المركب ترسو بالمرساة ــ مكان قريب من الدار ــ يرسل الخدم والخفراء والعبيد إليها ويحملون حمولة المركب حتى باب الدار (لا يستطيع أحد من الرجال الولوج من باب الدار إلى داخله ) ثم تقوم النساء بحمل الأشياء إلى صحن الدار ، وبعد الإنتهاء من تفريغ حمولة المركب ، ينصرف والد العروس، وتترك العروس لأم زوجها (حماتها) توزيع هذه الأشياء على الفقراء من أهل القرية والقرى المجاورة لها ، وإذا تصادف وصول المركب فى زمن الفيضان ، فكانت ترسو بالقرب من الدار ويتم تفريغ الحمولة فى الزوارق الصغيرة ، والوصول بها حتى باب الدار (كان فيضان النيل يبلغ ذروته فى شهر سبتمبر من كل عام ويغرق الأراضى والمياه تحيط بمنازل القرية ، ولذلك كانت الزراعة الغالبة فى تلك المنطقة من الصعيد هى القمح بعد إنحسار مياه الفيضان ، وأحسن أنواعه تزرع فى جزيرة الأكراد وكان ذلك قبل بناء السد العالى ) .
أصبح أهل القرية حينما يشاهدون والد العروس جالسا مع العمدة ، يعرفون أن المركب المحملة بخيرات بساتينه آتية ، ويسرون لهذا ، ويشيع الخبر فى القرية ، وأطلق أهل القرية على العمدة وآل بيته اسم البدوى واشتهرت الأسرة بهذا الاسم .
ويقول محمود البدوى(1) : "والحب الذى كانت تغدقه أمى على أولادها وابنتها .. كانت تغدق مثله على الآخرين .. ويكفى أن أباها الثرى حينما كان يرسل إليها هداياه فى المناسبات وغير المناسبات ، وكانت فى حجم حمولة مركب شراعى كبير يسير فى النيل فى ترعة الإبراهيمية بين القريتين اللتين تقعان على النهر .. أى إتليدم والأكراد .. كانت أمى توزع أغلب الهدايا على نسوة القرية " .
* * *
أسلوب العمدة فى إدارة شئون القرية

إتخذ والد محمود العمدية كرسالة لاستمرار تحقيق الأمن والأمان فى القرية، كان تقيًّا عادلاً "رغم صغر سنه" يسوى الأمور بين الناس وله طريقته فى معالجة المنازعات والخصومات بين الفلاحين ، وله قدرة فائقة فى حسمها ، فقد تدور معركة حامية تسيل فيها الدماء ، إذا أكلت نعجة من غيط فلاح آخر ، ويتقاتلون ويتنازعون عن شبر من الأرض ويقضون النهار فى منازعات على القيراط والسهم وعلى حزمة من القش ، وقد تحدث معارك دامية على لا شىء .
إستطاع بما من الله عليه من عقلية متفتحة أن يقف بحزم وصرامة ضد من يخرج عن القيم والمبادئ والأخلاق ، فكان يرسل إلى أمثال هؤلاء أحد الخفراء، ومجرد علم المذكور باستدعاء العمده له ، يصاب بالخوف والذعر ، ويجىء إليه باكيا متوسلاً واعدا بأنه لن يعود إلى فعل ما إرتكبه وأغضبه ، ولم يلجأ إلى تسليم أحد من أهل القرية إلى مركز البوليس .
كان الأمن مستتب فى القرية ، والصراعات تقع فى القرى المجاورة التى تكثر فيها جرائم القتل والنهب .
كان مأمور المركز ومدير المديرية يتعجبان من حال أحوال الفلاحين فى القرية ، ويستريحون فى الحديث مع العمدة ويسألونه عن أسلوبه فى التعامل مع أهل القرية ، ويتعجبان لعدم وجود شكوى تقدم ضد أحد أو حتى شكوى تقدم من إمرأة ضد ضرتها فى المركز .
كانت إجتماعات العمد تنعقد فى المديرية مع مديرها ، وحين يدخل العمدة (والد محمود البدوى) يقوم الجميع وقوفا لتحيته بما فيهم المأمور ومدير المديرية ، فقال أحد الجالسين ، وكان يملك (حسبما قيل لى) 1700 فدان فى قرية أبو تيج ، هوه العمده ده عنده كام فدان ، فكان الرد من الجالس بجانبه ، متسألش عنده كام فدان ده عنده هيبه من عند ربنا .
* * *
حدثت أول حادثة فى القرية عام 1911 ، أثناء مغادرة الصراف داوود للقرية وبصحبته أحد الخفراء ، وأطلقت عليه رصاصة أثناء سيره صرعته فى الحال ، وعرف القاتل ، وقبض عليه ، وقدم للمحاكمة ، إلا أن العمدة لم يستمر فى العمدية وتولاها شقيقه رياض "وعلى الرغم من تركه العمدية ، فقد سماه أهل القرية العمدة الكبير ، وشقيقه رياض العمدة الصغير ، وكان هذا الأخير حينما يراه هالاً عليه ، يقوم وقوفا إحترامًا له" وعاد العمدة الكبير إلى العمدية مرة أخرى بعد تركها بقليل لعدم رغبة العمدة الصغير الاستمرار فيها ، واستمر فى العمدية إلى أن توفاه الله عام 1941 .
* * *

ثالثا : أبناء العمدة

أثمر زواج العمدة من السيدة تفيده عن الأبناء محمد ومحمود وفاطمة وأبو الفتوح .
* * *
ولد محمد سنة 1907 وتلقى دراسته الإبتدائية فى معهد أسيوط الدينى الأزهرى حتى حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية والفقه على المذاهب الأربعة ، ثم ذهب ليكمل تعليمه العالى بالقاهرة ، وفى أثناء ذلك طلبه والده لمراعاة الأرض والزراعة لأنه أكبر أخواته فاكتفى بهذا القدر من التعليم ، ولكنه ترك ذلك كله والتقى بشيخه الأكبر فضيلة الشيخ يوسف على الشاذلى ــ صاحب المقام المعروف بغيط العنب بالإسكندرية والمتوفى سنة 1934 وكذلك بالشيخ حسن حسين شحاته أحد أقطاب الطريقة الشاذلية بالصعيد ثم إتجه إلى دراسة الصوفية ، وتنبأ له شيخه الشيخ يوسف على الشاذلى بأنه سيكون قطب الصعيد .
تزوج محمد من إبنة عمه رياض (عمدة الأكراد السابق) عام 1943 ، وبعد مضى أربعة عشر عاما من الزواج ، رزقه الله بولدين وبنت واحدة ، وجاب الأمصار يدعو إلى الإسلام .
له مؤلفين أحدهما فى فضل الصلاة على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والثانى فى شرح الوظيفة الشاذلية وهى من الأوراد التى يقرؤها من ينتمون إلى هذه الطريقة صباحًا ومساء .
وفى 21 من شهر مايو سنة 1975 توفى فى بيته بمدينة أسيوط واجتمع أحباؤه ومريدوه من جميع أنحاء مصر ، وخرج المشهد من منزله وبعد الصلاة على جثمانه فى المسجد ، ساروا به متجهين إلى الجبل الغربى لدفنه بمقابر الأسرة ، ولكنهم لم يستطيعوا السير به ، فشارك فى حمله ثلاثة آخرون من الرجال الأشداء ، ولكن الجثمان إتجه بحامليه إلى قرية الأكراد وتوقف فى الساحة الكبيرة أمام دار العمدية ، فأرشدهم أهل العلم والمعرفة ممن كانوا حاضرين الجنازة ، بحفر قبر فى مكانه ودفنه فيه ، وحفر الحفارون وجاءت مواد البناء سريعا ، وبنى البناؤن القبر فى ذات اليوم ودفن الشيخ فيه ثم أقاموا عليه مسجدًا "المسجد والقبر على الجانب الأيمن من الساحة الكبرى وملاصق لمقر العمدية وما زال موجودًا حتى الآن " .
* * *
ولد محمود فى 4 من شهر ديسمبر سنة 1908 ، وشب طفلا مدللا وشقيا إلى حد بعيد ، وفى سنين عمره الأولى كان يحب ويهوى معاكسة النساء المتواجدين بالبيت مع أمه وخاصة معاكسة عماته أثناء جلوسهن فى صحن الدار ، كان يقوم ــ فى غفلة منهن ــ بربط الحصى أو لصق الورق فى طرحة إحداهن ــ وحينما يتنبهن لفعلته ، يضحك ويجرى ، أو يقوم بإشعال النار فى الورق ، ولا أحد كان يجرؤ أو يستطيع ردعه ، وما كان لأحد من أفراد الأسرة أو غير أفرادها يجرؤ بلمسه ، وكان يلعب فى الأجران مع لداته، فيصعدون الأجران العالية وينحدرون منها ، ويجرى بحماره الأبيض الصغير على الجسر بعضا من النهار ، وحينما تغمر مياه الفيضان القرية وينطح بيوتها، ينزل الماء مع لداته ويلعبون وهم فرحين بماء الفيضان ، وكانوا يتسابقون ويتنافسون على تسلق صوارى المراكب الراسية بجوار القرية ويقفزون من قمتها إلى الماء ، وذلك منذ بداية الفيضان فى شهر أغسطس .
كان مدللا للغاية ، خفيف الظل ، نحيف العود ، براق العينين ، سوداء اللون .
ويقول محمود(1) : "ومع أن أمى لم تكن حاصلة على شهادة دراسية ، إلا أنها كانت متعلمة .. وإليها لا إلى أبى يرجع الفضل فى تعليمى القراءة والكتابة .. ومن الطريف أنها قامت هى نفسها بهذه المهمة ، ولنذكر أن ذلك كان فى عام 1915 تقريبا ؛ وعلى لوح من الأردواز ، بدأت أكتب وأحفظ الحروف الهجائية .
وكانت أمى ككل الأمهات فى ذلك العهد ، تتفاءل برؤية مولد الهلال .. ففى أول أيام الشهر الهجرى كانت تصعد بى إلى سطح المنزل الواسع (بيت الوسية) فى قرية الأكراد حيث تزوجت وولدت أنا .. وترنو إلى الهلال ، وهى تقرأ بعض سور القرآن .. واضعة يدها على وجهى مقبلة جبينى .. داعية الله أن يقينى شرور الحياة " .
* * *
ولدت فاطمة فى عام 1911 وبعد أن كبرت وبلغت سن الزواج ، تزوجت من إبن عمها فؤاد " إبن عمدة الأكراد السابق محمد " وأقامت فى مدينة أسيوط ورزقها الله بولد واحد وثلاث بنات .
* * *
ولد أبو الفتوح فى الأول من شهر مايو سنة 1914 وبعد حصوله على البكالوريا من مدرسة الخديوية الثانوية بالقاهرة ، سافر إلى فرنسا ودرس القانون والعلوم السياسية بجامعتى باريس وتولوز ، وبعد حصوله على إجازة الليسانس فى القانون والعلوم السياسية من جامعة تولوز عاد إلى مصر ، والتحق بالعمل فى وظيفة باتحاد مصدرى الأقطان بالإسكندرية ، ثم حصل على أجازة خاصة بدون مرتب وسافر فى نوفمبر عام 1961 إلى فرنسا لإتمام دراسته ، وحصل على إجازة الدكتوراه فى القانون والعلوم السياسية من جامعة تولوز فى 20/12/1962 وعاد إلى مصر ثم التحق بالعمل كمشرف على أعمال جامعة بيروت العربية بالإسكندرية .
* * *


رابعا : وفاة والدة محمود البدوى

كانت أم محمود حاملاً حينما توفى والدها ، فأصابها الحزن والكرب العظيم ، فأثر ذلك على صحتها وعلى الجنين ، وفى أثناء الولادة عام 1915 بالبيت ، ماتت ، ولم ير الطفل النور وإنتهى معها .
إنطلق الصراخ من جنبات الدار وسرى الخبر فى القرية مسرى النار فى الهشيم وإنتقل منها إلى القرى المجاورة ، وحضرت الجموع وتحولت القرية إلى مناحة ، فولولت النساء ولبسن السواد ولطمن الخدود ، وارتفع صراخهن ، ولطخن وجوههن بالزهرة الزرقاء ، وأهلن على رؤوسهن التراب ، وحملت إحداهن رقا وطافت فى طرقات القرية تحمل لأهلها خبر الفاجعة ، وإزداد ورود النساء وهن ينشجن نواحًا تتفطر له القلوب ، وكلما تعدد إحداهن محاسنها وخلقها وأفعالها وأعمالها يزيد صراخهن ويشتد لطمهن للخدود ، وكل حاضر من هذه الجموع يصرخ والأطفال الصغار يبكون فى حرقة .
ومحمود يشاهد هذا كله بعين الطفل ، فلم يكن بلغ السابعة من عمره ، ولأول مرة فى حياته ــ وهو الذى لم يعرف الحزن ــ يرى الموت يدخل البيت، ومنظر النساء الباكيات حوله ؛ ففطر قلبه وشعر فى أعماقه بالتعاسة ، وظلت الغمامة متأصلة فى نفسه وهو لا يدرى .
وحمل الجثمان بالمركب ــ صندل بموتور يدار بالفحم ــ ورافقه الأطفال وأفراد الأسرة وأهالى القرية ، وسار المركب إلى دار أبيها ، ونقل الجثمان إليه، وتكررت مأساة الصراخ والعويل ولطم الخدود من نساء أهل قرية إتليدم، وحمل مرة أخرى ونقل بالمركب حتى شرق النيل حيث دفنت بجوار والدها ، وعاد الجميع إلى الأكراد ، واستمر العزاء مدة أربعين يومًا .
ويقول محمود البدوى(1) : "وحتى اليوم لا تزال تتراءى لى النسوة المجللات بالسواد ، والنواح العميق الحقيقى الذى يصدر عن عواطف صادقة.. ويقطع القلوب .. مما حفر مظاهرة الحزينة فى أعماقى إلى الدرجة التى تجعلنى إلى الآن .. بعد مضى حوالى ستين سنة أبغض الجنازات بغضا شديدًا" .
* * *
حالة محمود البدوى بعد وفاة والدته

تبدل وتغير حال محمود وإنقلب كيانه بعد أن ماتت أمه وانقلب لعبه وضحكه ومرحه وشقاوته إلى حزن وانطواء ، فقد كانت الفاجعة أكبر من أن يحتملها طفل فى مثل سنه وتكوينه ، وإرتسمت مسحة الحزن على وجهه ، فذبل جسمه وإصفر لونه ، فكان ينزوى سحابة النهار وطول الليل فى المزارع والحقول هائما شاردًا لا يحادث أحدًا ، وكان أحد الخفراء يتبعه كظله فى كل حركة ، وحينما ينهكه المشى والتعب يعود إلى البيت لينام ، وكان يشعر بأنه قريب من الموت الذى أخذ أمه فجأة دون سابق إنذار وهى فى بكائر أيامها وربيع عمرها ، وأصبح يستريح إلى رهبة الليل وسكونه وهوله .
كلما كان يسمع صريخ نساء القرية وبكائهن على أحد الأموات ، يصيبه الفزع والذعر ويدخل عليهن صارخًا طالبا منهن أن يكفوا ، فقد كانت صورة أمه متمثله أمامه دوما وفى كل حين .
وأصاب والده البلاء والكرب العظيم ، فشعر بعد فراق زوجته بالوحشة والانقباض والضجر ، واستبشر بالصبر ونزل على حكم القدر وسلم أمره إلى الله ، وزاد عطفه على أولاده ودللهم وكان يأتى لهم بأكثر مما يحتاجون إليه ، وكانوا فى رعاية جدتهم (أم الأب) وإحدى النساء من العاملات فى البيت والتى كانت بمثابة المربية وعرفت محمود أن الاهتمام أو الحب لا ينبع من داخل الأسرة فحسب بل يمكن أن يأتى من الخارج .
أثرت الفاجعة فى داخل محمود وفى حياته ولازمته خلال فترة تقدمه فى السن .. ويقول : "أحسست بالحزن لأول مرة فى حياتى عند موت والدتى ، وكنت فى السابعة من عمرى ، ولأن جنازتها كانت مفجعة .. كرهت بعدها كل الجنائز وحتى الأفراح ، كرهت كل التجمعات"(1) "ومن موت والدتى تبدأ القتامة من هذا الحدث ويمكن هذه القتامة هى التى تجعلنى أتجه بحواسى باستمرار إلى الناس المضطهدين المعذبين فى الحياة ، إتجهت إلى ذلك بالفطرة ، لأن حياتى لم تكن سهلة ، وهذا جعلنى أتجه بحواسى كلها إلى الناس الذين يعانون ، وليس معنى هذا أنى كنت أعيش فى ضنك ، أبدًا ، المسألة أن هذه الصورة ، وهى موت الوالدة فى سن مبكرة ، والوالد عاش فترة طويلة لا يتزوج إحتراما لذكراها ولكى يربى أولاده ، هذه الصورة كانت تولد فى النفس إحساسًا غريزيا بألم الآخرين .
وقد ظلت هذه الصورة ماثلة خلال التقدم فى السن وعبر إتساع الأفق وترامى النظر للحياة ، وحتى الناس الذين يسميهم المجتمع مجرمون أو قطاع طرق ، أجد دائما مبررًا قويا لسلوكهم والتوائهم عن الطريق ، ودائما أقول ــ كما يقول ديستويفسكى ــ ليس بين الإنسان ، أى إنسان ، وبين الجريمة غير خيط رفيع جدًا ।
كما أن بداية القراءة لكاتب مثل مصطفى لطفى المنفلوطى ، وهو كاتب حزين ونظرته إلى الناس المظلومين المحرومين من متع الحياة ، قامت بدورها بتعميق هذا الميل أو هذا الاتجاه(1) " .
* * *
(1) ص. الأنوار 5/3/1978 .

ليست هناك تعليقات: