الثلاثاء، ٢ أكتوبر ٢٠٠٧

الفصل الرابع : الحياة الخاصة


الفصل الرابع ؛ الحياة الخاصة للبدوى
• اللقاء مع إبنة العم

• زواج محمود البدوى
• الإبنة الأولى
• إصابه البدوى فى حادث
• الابنة الثانية
• تغيير الإسم


اللقاء مع إبنة العم

تزوج ضابط البوليس عمر حسن عم محمود البدوى من إبنة خاله وأنجب منها إبن واحد وأربع بنات ، وما يهمنا هنا هى إبنته حكمت التى أصبحت فيما بعد زوجة لمحمود البدوى .
ولدت حكمت فى مدينة كفر الزيات عام 1930 ، وكان والدها معاون نقطه بوليس المدينة وفرح بها والديها كثيرا ، فقد كانت الإبنه الأولى وسميت على إسم المولدة ، وحينما كبرت وشد عودها التحقت بمدارس مختلفة نظرًا لظروف عمل والدها والذى كان دائم التنقل بين بلاد القطر (نوتردام بالزيتون ـ ليسيه مصر الجديدة ـ ليسيه بور سعيد ـ راهبات الإسماعيلية)

* * *

إنتقل محمود من مسكنه بالحلمية الجديدة إلى منطقة المنيل بشارع محمد سالم ، وأتى بسيدة من القرية للأعتناء بشئون بيته ، وكانت لا تفعل أكثر من غسل ملابسه وإعداد فنجان القهوة فى الصباح ولم تكن تعرف الطهى ، وإستعان بطباخ يطهو له طعامه ، وتعددت سرقاته ، يسرق نقوده وملابسه ، ويسرق وهو يشترى مستلزمات البيت ، حتى قطعة الصابون لم تسلم من يده فطرده ، وخرجت من بعده الخادمه من البيت ، ولم تعد ، فحرر مذكرة بنقطة بوليس المنيل قيدت تحت رقم 36 فى 14/4/1943 بخروجها وعدم عودتها
(1)

إستعان بسيدة أرمل ولديها طفلتان وإسمها أم محجوب (وهى لامحجوب لها) تقوم بشئون البيت وتطهو له طعامه ثم تذهب إلى بيتها لمراعاة طفلتيها .

* * *

فى عام 1945 جاءت شقيقته فاطمة من الريف بصحبة عمه حسين لعرضها إلى الأطباء فى المدينة لشدة مرضها ، وتركها العم وذهب إلى حال سبيله ، وأقامت شقيقته معه ، وتوقف محمود عن السفر والترحال ، وعن مزاولة التمرينات الرياضية بنادى الجمباز بالمعهد المصرى للرياضة البدنيه (الإشتراك السنوى ستة جنيهات والإشتراك الشهرى جنبه واحد) وعن الجلوس مع أصدقائه بالمقهى ، فكان يخرج من عمله إلى البيت مباشرة لمراعاة المريضة وحتى لا يتركها وحدها ، وكثرت زيارات أعمامه حسين وحفظى ومحمود وترددهم على مسكنه لمعاودة المريضة .

* * *

فى أحد أيام صيف عام 1945 جاء عمه عمر من بور سعيد ومعه زوجته وإبنتهما حكمت الطالبة بمدرسة الليسيه لزيارة المريضة والإطمئنان عليها ، وكانت حكمت تلبس رداء محتشما بسيطا مصففه شعرها الطويل فى جدائل وملقى وراء ظهرها ، وهى على جانب كبير من الجمال وبشرتها نقيه وعيناها خضراوين .

إنتهز محمود الفرصة وطلب من عمه إبقاء إبنته خلال فترة الأجازة الصيفيه لتؤنس إبنة عمها المريضة وليستطيع إنجاز بعض أعماله الخاصه ، فوافق العم.

عاد محمود إلى البيت بعد إنتهاء عمله بالمصلحة ليتناول الغداء كعادته ، فوجد تغييراً حدث فيه وأن يدًا جديدة مرت عليه وبجو أنيق ممتع ، وبعد تناول قهوة العصر خرج من البيت .
كان يعود بعد منتصف الليل بقليل ، ويفتح الباب ويدخل فإذا أحس بأنهما لم يناما يجلس يتسامر معهما ويحكى عن سفرياته فى الداخل والخارج ، ويتحدث فى هدوء وإتزان ويصف ما شاهده فى أوربا وحكمت تستمع إليه فى شغف ومأخوذه بحلاوة حديثه ، وتنصت ، وتنظر إليه نظرة إكبار وإجلال، وحينما يشعر أن النوم بدأ يداعب أجفانهما ، يتركهما ويذهب إلى غرفته ليقرأ أو ينام .

كان البيت وما حوله هادئاً ، فكانت حكمت تسلى وحدتها فى الوقت الذى كانت تنام فيه المريضة ، تقلب فى المجلات وتنظر إلى صور البلاد التى زارها حتى تشعر بالنوم .

* * *

عاد محمود إلى البيت فى غير ميعاده ليلاً مبكراً قليلاً ، فوجد إبنة عمه ساهرة وحدها ، جالسة أمام المكتب تتصفح إحدى المجلات المصورة ، وحينما رأته قامت ، فأشار عليها بأنه يجلسا قليلا ليتحدثا حتى تشعر بالنوم ، فإستجابت ـ وأخذ يتحدث معها ويسألها عن أخواتها ودراستها وبور سعيد وضواحيها وملاعبها ـ سبق له أن ذهب إلى هذه المدينة كثيرا وطاف فى أحيائها ـ ولكنه كلما سألها عن شئ يظهر الخجل عليها وتحس بأن لسانها يقف فى حلقها وترد عليه ردود مقتضبة ، وحينما ينظر إليها تحول وجهها عنه وتتلعثم ، ولما لم تجد مفرا مما هى فيه ، ولإنقاذ نفسها مما أصابها ، تتصنع التثاؤب وتتركه وتدخل حجرة المريضه مدعية غلبة النوم عليها .

وعلى الرغم من أن محمود صادق وعرف الكثير من الأجانب والمصريين فى شرق البلاد وغربها أثناء إقامته بالبنسيونات والغرف المفروشة لدى الأجانب بالقاهرة السويس والإسكندرية وأثناء تجواله ورحلاته بالخارج ، إلا أنه لم تستطع واحده منهن أن تجذبه إليها ويتخذها زوجة له على مدى الأيام التى إنصرمت من عمره الفائت ، حيث طالت مدة عزوبيته ، وذلك بسبب حبه للأدب وعشقه له اللذين لم يتركا لنفسه مهلة للتفكير فى الزوجة والأسرة، ولكن ابنة العم لفتت نظره وشدت إنتباهه لأنها لم تنطلق بالقول وتفيض وتثرثر كغيرها من النساء ، ورآها أنها ستكون أصلح زوجة له ، وعزم على ذلك ، ولكنه لم يتخذ أى خطوة عمليه ، وظل مترددا يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، وجاء عمه عمر وزوجته وإطمأنا على المريضه ، واصطحبا إبنتهما وإنصرفوا وشفيت المريضة وعادت إلى الريف لترعى شئون بيتها ، وإنتقل محمود إلى مسكن آخر بالسيدة زينب والتحقت حكمت بمدرسة راهبات بمدينة الإسماعيلية بعد نقل والدها إليها .

* * *

زواج محمود البدوى

جاء أحد الأقارب الأبعدين لخطبة إبنة عمه حكمت ، وعلم محمود بالخبر، وأحس بمجرد سماعه بالألم ، فقد كان يحس بأنه يحتجزها لنفسه ، وفاتح عمه حسين فى أول زيارة له ، وبارك الخطوة وشجعه عليها وآل على نفسه أن يساعده حتى بلوغ غايته ويذلل له كل الصعاب التى تعترض طريق هذا الزواج وإتمامه وخاصة مما يصدر عن والدتها ، وطلب منه تجهيز المهر وأن يكون مستعدَا ، فأجاب محمود من فوره بأنه جاهز ومعد نفسه لهذا اليوم .

* * *

قدم محمود إلى عمه عمر فى الإسماعيلية ، وكعادته كان حسن الملبس والمظهر ، وصاحبه فى تلك الزياره عمه حسين ، ورحب والد حكمت بطلب إبن أخيه ، وسمعت حكمت وغمر كيانها السرور الباطن ، ولكن الأعتراضات كانت من جانب والدتها التى دست أنفها فى الموضوع ـ وهذا حقها ـ لسبب فارق السن بينهما ، ولما إنطلق العم حسين فى مناقشات معها ، إرتسم الأسى على وجه محمود وعلق بصره بها وجلس صامتا ، ونظر إليه عمه وتبسم واشار إليه وجلسا على كرسيين فى الصالون الأخر يتحدثان ويرقبان عن بعد ما تسفر عنه المناقشات ، وحكمت ترمق أمها فى جانب من خارج الحجرة وتنصت باهتمام شديد إلى الحوار الدائر بينهما ، فقد كانت أمنيتها وسعادتها أن تتزوجه وتعيش معه تحت سقف واحد ، وتتطلع بشغف إلى إنتهاء المناقشات لتعرف النتيجة النهائيه ، ولكن النقاش والحديث إستمر إلى الساعات الأولى من الصباح ، وأخيرا حسم العم الموقف وصمم على أنه لا رجعة عن إتمام الزواج بعد موافقه شقيقه والد حكمت ، وانصاعت الأم ورضخت للأمر ووافقت ، وهزت الفرحة قلب محمود ، وأخرج المهر من جيب سترته وسلمه إلى عمه عمر .

* * *

رقى والد حكمت إلى رتبه القائمقام ونقل للعمل بالإسكندرية مأموراً لقسم محرم بك ، وفى صباح يوم أثناء وجوده بالقسم دخل عليه أحد العساكر ممسكا بيده طفله صغيره عمرها لا يتجاوز الثمان سنوات وقال له وجدناها ليلا فى الطريق تبكى ولا تعرف شيئا من أمر نفسها وعلم منها أنها من الفلاحين وتعمل لدى أسرة ضربوها فخرجت إلى الطريق، فسألها المأمور عن هذه الأسرة وعنوانها وأسمها ، فقالت .. معرفشى ، فسألها كانوا بينادوكى بإيه ، قالت .. مبروكه .

وتحرر محضر بالواقعة وتسلمها المامور وأرسلها إلى البيت إلى حين ظهور من يسأل عنها (لم يسأل عنها أحد) وظلت فى البيت مع الشغالين (طباخ أسمر اسمه محمد من أسوان ومعه شقيقه الأصغر حسن وعمره سبع سنوات وزايده التى تعتنى بشئون البيت)

* * *

كان محمود يعشق الإسكندرية وكثير التردد عليها ويقضى فيها ليلته بالبنسيون الذى إعتاد أن ينزل فيه كلما هبط المدينه ، وفى الليل يسير بجوار البحر ويجلس على الشط حالما مفكرا ويمتع بصره بجمال الطبيعة ، وتطيب له الجولة الليلية لأنها رياضه عضليه للجسم ويستطيع أن يتبين جمال المدينة بعد أن تنقطع الرجل ، فكان يعرفها ويعرف كل شبر فيها جيداً ، أسماء الشوارع والبنسيونات واللوكاندات ، بدرجة مذهله .

حرص محمود فىالذهاب إلى عروسه ، واصبح يخرج معها ويرافقه فيها والديها للنزهة ، ومن فرط سعادتها وسعادته كانا يحسان بأنهما فى حلم جميل، وكانت منبهره بأسلوب تعامله معها وطريقته فى الحديث وبالكلمات الحلوة الجميلة التى يلقيها على سمعها ، وبعد السير على شط البحر يجلسون فى أحد الكازينوهات ، وبعد إنتهاء السهرة والعشاء فى الكازينو ، يعودون من حيث أتوا ، ويتركهم ويذهب إلى البنسيون للمبيت .

* * *

أخذ محمود فى البحث عن شقة الزوجية بحى مصر الجديدة ـ كانت جميع العمارات بلا إستثناء تعلق يافطة على باب المنزل وفى واجهة الشرفات تشير إلى وجود شقة خالية ، وكان الملاك يحاولون بكل السبل وشتى الوسائل جذب ساكن لها ـ فعثر على شقه فى بناية حديثه (تقع على ناصيه) بالدور الثالث بشارع محمد رمزى (الإمام على سابقا) نمرة 32 بإيجار شهرى عشرة جنيهات وخمسمائه مليم ، وسربها كثيرا لأنها فى منطقة هادئه وبها بلكونه واسعه وفسيحه وتطل على شارعين ، وراقه الهدوء ، ويستطيع أن يجلس يقرأ فيها ويكتب ، وكان السكان حوله خليطا من المصريين والأجانب وسر عمه وزوجته بها كثيرا وبموقعها الجميل ، واستأجرها من أول أبريل 1947 .

نقل العفش من تاجر الأثاث إلى عش الزوجية ، وجاء الخدم من عند والدها بالإسكندرية ، وأشرف بنفسه على تنظيم الغرف وإعداد الفرش ولم ينسى الحجرة الخاصة بالضيوف لمن يهل عليه من الأهل ، وتحدد يوم الزفاف بفيلا عم العروس المستشار محمود بالجيزه يوم 19 مايو 1947 .

حينما علم الخادم الصغير الأسمر ومبروكه للذين يخدمان عند والد العروس بزواجها وإنتقالها إلى القاهرة ، بكيا ، وأصرا أن يسافرا ويكونا معها وفى خدمتها ـ كانا يحبونها حبا خالصا ـ وأبدت العروس رغبتهما لمحمود فلم يمانع وعرض عليها ـ إن شاءت ـ الإبقاء على أم محجوب التى تطهو له طعامه وتعنى بشئون البيت ، فرحبت .

بالشقه صندره فسيحه أعلى الحمام يتم الصعود إليها بسلم خشبى متحرك من المطبخ وبها شباك ، وضع فيها فرش ومراتب وأعدت لتكون مكانا لنوم الشغالين .

* * *

جاء اليوم المحدد للزفاف وقصرت الحفلة على عدد قليل من الأهل والأقارب الموجودين بالقاهرة ، لأن الأسرة لم تزل فى فترة حداد على والد محمود الذى توفى عام 1941 ، ولم تكن بالحفلة دفوف تدق وموسيقى تصدح ومطرب يغنى أو راقصة تحيى الفرح ولمبات تضاء للزينة ، وفى المساء وصل المأذون من قرية الأكراد ، وتم العقد (مسجل بوثيقة الزواج أن الصداق قدره 700 جنيه مصرى حالا ومؤجلاً والحال منه مبلغ 350 جنيها) وبعد تناول العشاء هنأ الحاضرون العروسين وإنصرفوا وإصطحب محمود عروسه فى سيارة خاصة قامت بجوله فى أنحاء القاهرة .

غادر المأذون الحفل بعد العشاء ، وذهب إلى أقاربه المقيمين بحى روض الفرج ، وأثناء سيره هناك إعترضه بعض اللصوص وجردوه من ملابسه ونقوده ، وكانوا رحماء به بأن تركوا له دفتر إثبات الزواج .

* * *

بعد حفلة العرس ، قضى محمود الأسبوع الأول من الزواج بالبيت ، وكان أول من يستيقظ من النوم فى الصباح ، ويستهل يومه ببعض التمرينات الرياضية ويحلق ذقنه ويأخذ حماما سريعا بالمياه الطبيعية دون تسخين فى الصيف لينشط ، ويقرأ بعض آيات من كتاب اللّه ، وتقوم زوجته وتقدم له فنجان الشاى وتعد له طعام الأفطار ، وبعده يعد لنفسه فنجانا من القهوة يصنعه بنفسه ويخرج إلى عمله .

تترقب زوجته عودته من العمل للغداء ، وكانت الفترة التى تعقب الغداء ثقيله على نفسه ، فيستريح ساعة أو ساعتين وفى الأصيل يستمع إلى الموسيقى ويخرج من البيت إلى نادى الجمباز لمزاوله بعض التمرينات الرياضية أو يذهب إلى مقهى بور فؤاد بشارع فؤاد ، فقد كان لا يقابل أحدًا من أصدقائه فى البيت عدا المقربين إليه من أصدقائه الأولين وكان يحرص على ألا يزوره أحد فى مكتبه بالمصلحة ، لأنه ليس مكانا لزيارات الصحاب والأصدقاء وكل مقابلاته تكون فى المقهى ، ويعرف الصحاب المكان الذى اعتاد الجلوس فيه من المقهى ، يشرب القهوة يطالع أو يكتب .. يقول الأديب يحيى حقى رحمه اللّه بصحيفة الأخبار فى 19/2/1986 "كنت أذهب لزيارته وهو موظف بوزارة الماليه ، فأجد على وجهه إمارات الصبر والخشوع ، وكان ذلك فى الخمسينيات تقريبا" ويقول صديق عمره عاشور عليش بمجلة الثقافه ـ عدد نوفمبر 1978 ـ "كنت أزوره فى مقر عمله فلا أجد ورقه واحده على مكتبه، فقد أنجز الرجل عمله كاملا فى الساعات الاولى من الصباح ، الأمر الذى أدهش رؤساءه الكبار وجعله دائما موضع التكريم والاعتبار ـ وقبل الرؤساء الكبار حظى محمود بحب الأرامل واليتامى الذين كان فى خدمتهم دائما والذين يذكرونه بالخير والدعاء حتى اليوم .. إذ وجدوا فيه شيئا فريدًا لن يتكرر ، كان يستشعر مآسيهم باحساس الإديب وقلب فنان"

وكان محمود أثناء جلوسه فى المقهى يتطلع إلى الوجوه ويشاهد الحياة تجرى أمامه ، (وفيها ينسى العمل الروتينى الذى يقوم به فى المصلحة) نم يحمل كتبه وأوراقه ويستأنف تجواله فى المدينة يستعرض ما فى واجهات المتاجر من ملابس وعطور وأدوات الزينة ، ويرى وجوه السائرين فى الشارع والمارين أمامه ، ثم يركب المترو إلى البيت ، أو يتخذ طريقه ماشيا على الأقدام ، وتطيب له هذه الجوله الليلية ليفكر ويتأمل ما حوله ، وقد يجد أثناء سيره فى الطريق بعض المشاهد التى تعذب نفسه فتزيده سخطا ، ولا يجد متنفسا لها غير صبها بالكتابه (غلمان الشوارع يجمعون أعقاب السجاير ـ السكارى والمعربدون ينسلون من الحانات ـ الإنجليز السكارى يصخبون ويعربدون ويتعرضون للاهالى ويشتبكون معهم)

بعد العشاء ينام إذا أحس بالنوم أو يظل ساهرا ويستغرق فى المطالعة ـ كان مغرما بالإطلاع على ما هو جديد وما يدور فى الإنسانية من أحداث ـ غافلا عمن حوله ، ويستلقى بعدها فى ثبات عميق .

* * *

إذا أرادت زوجته شراء بعض الأشياء اللازمه للبيت أو النزهه ، تمر أمام القهوة فى وقت معين متفق عليه ، وحينما يبصر بها ينهض من مقعده وينطلق فى إثرها ، ويمضى معها يسيران أمام الفاترينات مستعرضين الحوانيت ، وبعد الحصول على حاجتها ، يذهبان إلى السينما أو الكازينو وهى مسرورة فرحة وبعد أن يتعشيا يركبان عادة المترو أو سيارة أجره إلى البيت .

وكانت زوجته تحيط بيتها بجو من الهدوء المطلق ، وكان هذا الهدوء يحبب إليه الإقامه فيه جانبا كبيرا من النهار والليل ، فيجلس فى الشرفه يستمتع ويمتع بصره بما يحيط به من المناظر يحمله على التأمل ويكتب .

ويقول محمود .."لقد تزوجت بالطريقه التقليدية القديمه بلا حب .. فعائلتنا الكبيرة كانت تؤمن بزواج الأقارب فى الدرجة الأولى .. وإلى زوجتى وهى متخرجه من الليسيه ، يرجع الفضل فى أننى وجدت الوقت الكافى للكتابه .. فلم تشغلنى بأمور البيت
(1)

* * *

كان بيته محطة للقادمين من الصعيد من الأهل والأقارب ، وإذا أصاب زوجته مرض إنتشر خبر مرضها فى الأسرة ويزدحم المنزل بالرائحين والقادمين ويصبح البيت كخلية النحل ، ويظل فى الليل ساهرا بجانب فراشها وحينما يمن اللّه عليها بالشفاء يخرج معها للنزهة لتسترد كامل صحتها .

* * *

يخرج من غرفته ليلا بعد أن ينام جميع من بالبيت ويتجه إلى المطبخ ليصنع لنفسه فنجانا من القهوة ، فإذا وجد اللمبه (لمبة الجاز) مشتعله تحت دماسه تدميس الفول يطفئها ويعود إلى مكانه من غرفته وكأنه ما فعل شيئا ، وحينما تصحو زوجته فى الصباح لتجهيز الإفطار تفاجأ بانطفاء اللمبه فتعتقد أن الهواء أطفأها ، ولما تكررت عدة مرات ، سألت محمود فطلب منها أن يكون إشعال اللمبة وعمل الفول نهاراً ، أما فى الليل فقد يحدث حريق دون أن يحس به إنسان .

* * *
الإبنـــــة الأولى

يحرص محمود على راحة زوجته وجلب المتعه والهناء لها ، فكان يذهب معها إلى الإسكندرية من حين إلى حين لتزور أهلها ويقضيا هناك أياما ، وحينما كانت زوجته فى الشهور الأخيرة من الحمل ، رافقها إلى والديها لتكون بينهما وبين أخواتها ولتضع هناك أول مولود لها ، وظل يتردد عليها ويخرج معها للنزهة ، ثم يتركها فى وقت متأخر من الليل ويذهب إلى الفندق للمبيت فيه (رغم أن والدها مقيما بفيلا مكونة من ثلاث طوابق فى منطقة مصطفى باشا ، ولأنه بطبيعة تكوينه لا يحب أن يثقل على أحد حتى ولو كان عمه أب زوجته)ويأتى إليها فى صباح اليوم التالى مدة وجوده بالإسكندرية ، وحينما يتركها ويعود إلى القاهرة لظروف عمله ، كان يتصل بها بالتليفون فى الساعة السادسة والنصف صباحاً قبل الخروج إلى عمله
(1)

فى اليوم الذى شعرت فيه زوجته بأنها على وشك وضع حملها كان موجودًا معها وطلبت منه أن لا يتركها وحدها ، وظل بجوارها ، وفى الساعة الحادية عشر مساء أحست بآلام الوضع ، فأيقظ والدتها من النوم وقام بنقلها إلى المستشفى اليونانى (حجز لها جناح طوال مدة إقامتها بالمستشفى) وأنجبت أول مولودة لها يوم الأربعاء 21 سبتمبر 1949 وسماها ليلى ، وظل مقيما معها بالمستشفى مدة عشرة ايام وفى أثنائها ذهب إلى شركة نادلر للحلويات وجاء بعلب الملبس ووزعها على المرضى والممرضات والعاملين بالمستشفى الذين قاموا باحياء حفل السبوع للمولوة ، وحينما رجعت زوجته بالرضيع إلى البيت ذبح محمود الذبائح وقام بتوزيعها وظل فترة من الزمن على ذلك حينما يحين موعد عيد ميلاد إبنته .

كثيرا ما كان يصطحب زوجته وإبنته إلى الإسكندرية وبعد زيارة والدى زوجته يصطحبهم إلى الكابينه الخاصة على البحر بمنطقة جليم ، ويلبس المايوه ويجلس على الشط مدة وينطلق يعدو فى نشوه وتجرى إبنته وراءه كالجرو الصغير ثم يحملها على كتفيه وينزل بها الماء وهى فرحة جذله ويخرج بها على الشط ، وفى الكابينه يسلمها لأمها ويعود ينزل البحر ويغطس فى الماء ، وبعد قضاء النهار يصطحب إبنته وزوجته للمبيت فى الفندق










صورة محمود البدوى وإبنته ليلى وزوجته بالكابينة بمنطقة جليم

كانت زوجته تعتنى بالخدم ومظهرهم ولكل منهم عمل ، وجئ بمربية يقتصر عملها على العناية بالطفلة ومراعاة شئونها ، والخادم الصغير حسن يلبس جلبابا أبيض ويربط فى وسطه شريط أحمر وعلى رأسه طاقية بيضاء ، وعمله مقصور على شراء الأشياء الصغيرة من السوق ، فكان يخرج فى الصباح لإحضار طعام الإفطار ينطلق يعدو ويعود بنفس السرعة وتبهره مجلة البعكوكة فيشتريها بقرش ويخفيها بين ملابسه ، ويدخل الحمام الإحتياطى ويغلق الباب يتصفح المجلة (رغم عدم معرفته للقراءة) وقد حباه الله بذكاء فتعلم القراءة وحده دون معلم ، وتغير وتبدل حاله ، فأصبح يخرج فى الصباح ليأتى بالإفطار ويعود قرب الظهر ، وفى أغلب الحالات يكون ممسكا بالسلة فارغة كما خرج بها ويعول والسبب أن النقود ضاعت منه .

فى أحد الأيام أثناء سير محمود فى الطريق إلى عمله شاهد الخادم فى الحديقة العامه وحوله بعض الصبية يستظلون تحت ظل شجره والسلة موضوعة فى جانبه ويقرأ لهم من مجله البعكوكة (كان ينسى نفسه وينسى طلبات البيت ، وحينما يفيق إلى نفسه لا يجد النقود) .
كان جسمه ينمو سريعا ويزداد كل يوم طولاً ، وجاء شقيقه من الإسكندرية وأخذه معه إلى أسوان لرؤية أمه بعد فوات سنين وهو بعيد عنها ، وسافر ولم يعد ، ولكنه عاد بعد مدة من الزمن ، كزائر ، وقد فرع طوله وعمل فى إحدى الهيئات الكبرى بالقاهرة ولم ينقطع عن زيارتهم .

حدث أن تعطل الجرس الكهربائى فى البيت ولما جاء قام بإصلاحه دون الإعتماد على السلم ، ففرح محمود من عبقريته ، وأتت زوجته بنجفة كريستال جديده ، ولما جاء حسن قام بتركيبها .

وفى أحد ليالى أيام شهر رمضان كان محمود يجلس مع زوجته وإبنته فى البلكون ، سمعوا دويا هائلا وإنفجارًا رهيبا أعقبه ظلام تام فى البيت كله ، فقد سقطت النجفة .
إصابه البدوى فى حادث

فكر محمود فى شراء سيارة صغيرة يستخدمها فى سفرياته الكثيره ، وفى 4/5/1951 إشترى سيارة ملاكى جديدة ماركة فولكس واجن موديل 1951 لونها أخضر من شركة النقل الميكانيكى بالقاهرة بمبلغ خمسمائه وستين جنيها وواظب على شراء مجلة إسمها الموتور وتصدر كل اسبوعين عن دار المطبوعات الحديثه وتتضمن إرشادات لقائدى السيارات لصيانة السيارة وإصلاح الأعطال البسيطة المحتمل حدوثها أثناء السير وموضوعات أخرى وكان سعيدا باقتنائها ، ويجلس فى مقعد القيادة وبجواره زوجته وإبنته وينحشر فى المقعد الخلفى الشغالين ويقوم بجوله ، وسافر بها كثيرا إلى الأسكندرية وأسيوط والبلاد الواقعه بينهما .

* * *

فى أحد أيام شهر مارس وتحديدا صباح يوم 14/3/1952 إستيقظت زوجته وهى شاعرة بألم فى الأذن اليمنى ، وكان الجو شديد الحرارة كثير الغبار ، على خلاف الحالات فى شهر مارس ومضت أم محجوب مسرعة وحملت قليلا من الماء الساخن ووضعت الكمادات عليها ، ولكنها لم تحس بالراحة وإزداد الألم وتحاملت على نفسها وإرتدت ملابسها

وهبطا السلم ومحمود يحمل إبنته وركبوا السيارة وخرج من شارع البيت، وأثناء السير كانت زوجته تتأوه من الألم وهو ينظر يمنه ويسره على اليفط المعلقة على شرفات المنازل والتى تشير إلى طبيب أذن ليعالجها من علتها حتى وصل إلى ميدان الإسماعيلية ، ولمح لافته صغيرة تشير إلى طبيب أنف وأذن ، فركن السيارة جانبا ، وصعدوا إليه ومحمود يحمل طفلته وكان عمرها سنتين ، وأستقبلها الطبيب وعلى وجهه البشر والإيناس ومد يده وهو يبتسم ، فقد كانت العيادة خالية من المرضى ، وتحدث مع الزوجه ، وشرحت له آلامها ونظر وفحص وعرف السبب ، ونظف الأذن وغسلها وبدأ يزول الألم ، ونزلوا من عنده وركبوا العربة إلى البيت ، ونزلت زوجته وإصطحب محمود إبنته فى جولة بالسيارة ، ولكنه تذكر ميعاد له فعاد بها ، وركب السيارة وحده ومشى .

* * *

على حين غره ، وأثناء سيره بالسيارة فى مصر الجديدة إعترضته عربه كبيره تابعة للجيش المصرى قادمة مندفعة من طريق جانبى وصدمته صدمة عنيفة وهشمت سيارته وسحقتها وفرت بعد الحادث دون أن يلتقط رقمها أحد ، وكانت أم الملكة ناريمان فى شرفتها وأول من رأت الحادث ، فصرخت تنادى الحرس للحاق بسيارة الجيش الهاربة ، وإتصلت بالبوليس والاسعاف ، وجاؤا سريعا ، وكان الدركسيون حط على صدره ووجهه يدمى وقد غطاه الدم وحملوه على المحفة وهو غائب عن وعيه بين حى وميت ، وركب معه بعض الحرس ولم يتركوه وحده ، ومضت العربه فى الطريق إلى مستشفى الدمرداش ، وتم إسعافه بعملية نقل دم فى الحال من أحد الحراس المرافقين له والذى تبرع بدمه لعدم وجود دم كاف بالمستشفى فى الساعة التى نقل فيها ولولا هذا لمات ، ووضعت الضمادات على رأسه وصدره وذراعيه ، ونقل إلى الجناح الخاص بحرس القصر الملكى .

فى الساعة الرابعة من مساء ذات اليوم ، رن جرس التليفون بالبيت وكان المتحدث يحمل خبر إصابة محمود البدوى فى حادث سيارة ونقل إلى مستشفى الدمرداش ، ونزل الخبر على زوجته كالصاعقة وصرخت وجاء الجيران يتساءلون ويطمئنون على إبنته التى كانت معه ، وأجريت الإتصالات بعمه بالإسكندرية والأعمام بالقاهرة .

تزاحم الأهل بالمستشفى وأرادوا نقله إلى مستشفى خاص تتولى علاجه ، ولكن الطبيب رفض ذلك بشده لخطورة حالته على النقل وصرح لهم بالبقاء معه كيفما شاؤا .

لما رجع محمود إلى صوابه وفتح عينيه وجد نفسه ممددا على السرير لايقو على الحركة وحوله أقاربه الأقربين والأبعدين والدموع فى أعينهم ، وظهرت الفرحه على الوجوه بأن وهبه اللّه الحياه ، ثم أخذه النوم ، فجلسوا جميعا فى هدوء ينظرون إليه ووجهه يعبر عن آلامه ، وكثر المواسون والزائرون له ، وأخذت زوجته تلازمه ليلا ونهارًا حتى ظهرت عليه دلائل العافية واراد الخروج من المستشفى على مسئوليته وليكمل علاجه بالبيت .

ومنح من العمل أجازه طويله حتى إسترد فيها عافيته وشفى وبدأ يزاول نشاطه فى المشى والكتابه .

وتحرر عن الحادث الجنحة رقم 757 لسنه 1952 مصر الجديدة ، وباع السيارة بمبلغ 125 جنيها فى 1/6/1952 إلى ورشه جبور السيارات ، ولم يكرر محاولة إقتناء سيارة بعد ذلك أبدًا .

يقول صديقه عاشور عليش بصحيفة المساء 30/5/1963 "أذكر أنه فى عام 1950 إقتنى محمود البدوى سيارة صغيرة ، إشتراها لا ليركبها ويقودها داخل القاهرة وإنما إشتراها لهدف آخر بعيد ، هو أن يقوم برحلة بها حول العالم .. ولولا حادث مفاجئ أودى بالسيارة وأنقذ منه البدوى باعجوبه لكان البدوى قد قام برحلة حول العالم بالسيارة ولكن إرادة اللّه شاءت أن يقوم بها بالطائرات والبواخر"

* * *

عاد محمود إلى الخروج للعمل وفى المساء يصنع لنفسه القهوة (بن تقيل وسكر خفيف) ويرتدى ملابسه كامله ويجلس فى البلكونه وأمامه ترابيزة عليها لمبه مكتب ضوئها خافت ودورق مياه وكوب وأقلام رصاص وأستيكه، ويكتب ، وتدخل عليه إبنته قبل الذهاب إلى النوم ، فيترك ما فى يده ويداعبها ، ويربت على خديها ويضمها إلى صدره ، وحينما تشعر بالنعاس ، تشرب من المياه الموضوعه أمامه وتنصرف إلى حجرتها لتنام ، وذلك إذا كان الوقت صيفا ، وأما فى الشتاء ، فيجلس فى حجرته بجوار الشباك يكتب بالقلم الرصاص وقد يحمل حقيبته وبها أوراقه واقلامه ويخرج إلى كازينو بميدان تريومف يكتب أو يقرأ إذا كان الجو لطيفا .

ويقول تبارك بمجلة الفن الصادره فى يوم الإثنين 4 يوليه 1955 تحت عنوان كيف يكتبون فى الصيف .. "وفى أقصى مصر الجديدة يعيش الأديب الأستاذ محمود البدوى .

ومحمود البدوى لا يكتب فى الصيف إلا إذا توافرت شروط خاصة منها.. أن يكون مرتديا ملابسه كاملة ولابد أن يجلس كذلك فى مكان يستطيع منه مشاهدة السماء .. ثم يبدأ فى الكتابه .

وفى الصيف لا يجد الأستاذ البدوى مكانا أصح للكتابه فى منزله .. من "البلكون" فيجلس على مقعد مريح وأمامه منضده عليها أوراقه وبعض الأقلام الرصاص التى تعود دائما أن يكتب بها ..وعلى المنضده "لمبه مكتب" ينبعث منها ضوء هادئ .. ويظل الأستاذ البدوى غارقا فى الكتابة ولا يفيق إلا عندما تأتى إبنته "ليلى" لتستعير منه قلم رصاص أو أستيكه .. أو لتشرب من ماء الدورق الذى أمام والدها .. فإن المياه التى أمامه .. تختلف فى نظر إبنته عن بقية أنواع المياه الأخرى .

وعندما يضيق الأستاذ البدوى ذرعا بابنته .. يحمل أوراقه وأقلامه الرصاص .. ويجلس فى أقرب كازينو من منزله .. وبعد ساعات يعود إلى منزله .. ويجلس فى مكانه المعتاد ليواصل كتابته من جديد بعد أن ينام جميع أفراد أسرته ، وبقدر مدة نومه بعد الظهر .. تطول أو تقصر مدة كتابته .."

* * *
الإبنة الثانية

حملت زوجة محمود للمرة الثانية وكان والدها نقل للعمل فى قنا وترك لإبنته خادمته زايده لترعى شئونها خلال فترة الحمل (رغم وجود أم محجوب ومبروكه ونعناعه التى تعتنى بابنتها ليلى) .

وفى حوالى الساعة الحادية عشر من مساء يوم 31/12/1953 شعرت بقرب وضع حملها ، فاتصل محمود تليفونيا بعيادة الطبيب وبالمستشفى فلم يجده فإتصل ببيته وأخبرته الخادمه بأنه يقضى ليلته فى سهره بالهرم ، فرجاها أن تتصل به وتخبره بالحالة وجاء الطبيب بسيارته سريعا ونقلها إلى مستشفى الدكتور مظهر عاشور وهيأ لها جناحًا خاصا ، وتمددت على السرير ، وظل محمود بجانبها ، ولما إقترب ميعاد الوضع حملوها على عربة صغيرة إلى جحرة الولاده ، ومرت دقائق الإنتظار قاسيه وشديدة الوقع على نفسه (لم يكن معه أحد فى ذلك الوقت)

جاءت فاطمة الإبنة الثانية مع خيوط فجر الأول من يناير 1954 (وضاعت حفلة رأس السنة على الطبيب) وإتصلت الخادم زايده بالتليفون من البيت باللواء عمر فى مديرية قنا وقالت له" الست حكمت بتولد وراحت المستشفى دلوقتى هى وسيدى محمود" فإتصل سريعا بأخواته الموجودين فى القاهرة اللواء حفظى والمستشار محمود وحسين وأعلنهم بالخبر وجاء هؤلاء إلى المستشفى ووجدوا زايده أمامهم وعنفوها لعدم الإتصال بهم ، فقالت .." أنا معرفشى النمر بتاعتكم ، أعرف نمرة سيدى عمر بس " وجاء والدها ووالدتها .

إرتبك الحال فى المستشفى فى اليوم الثالث وإمتلأت بالزهور وبالزائرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، اللواء محمد نجيب .. جمال عبد الناصر .. صلاح سالم .. جمال سالم .. وأقاربهم من السيدات وإزدحمت طرقه المستشفى بالرجال والسيدات .. جاؤا لزيارة كمال الدين حسين الذى كان فى الحجرة المجاورة وأجريت له عملية الزايدة .

فتحت أم حكمت الإستراحة الملحقة بالجناح وأدخلتهم ، جلسوا فيها ورحبت وقدمت لهم الشيكولاته ، وكان محمود سعيدا بأن من اللّه عليه بالإبنه الثانيه .

* * *

كان محمود يصطحب إبنته ليلى فى الصباح للذهاب بها إلى المدرسة قبل الذهاب إلى العمل وفى العوده يمر عليها ويصطحبها إلى البيت ، وحبه الشديد لإبنتيه وتعلقه بهما كان له تأثير شديد على حياته ، ومن شده حرصه عليهما وعلى مستقبلهما ، علمتاه الخوف ، الخوف من السجن والإعتقال والتعذيب، ولذلك نأى بنفسه عن السياسة ، فهناك فرق كبير ، كما يقول ، بين الوطنيه والسياسة ، فحب الوطن فى لحمه ودمه وعظامه أما السياسة فقد كرهها وكره مشتقات الكلمه ولعنها كما لعنها وكرهها الإمام محمد عبده
(1)

وكانت إبنته الكبرى تجمع طوابع البريد وتنزعها من على الخطابات التى ترد إليه قبل وصولها إلى يده باستثناء القليل منها التى لم تقع تحت يدها حتى تجمعت وتكونت لديها على مدى السنين مجموعة كبيره جدًا جدًا من مختلف أنحاء العالم .

كان لا يحب الاختلاط ويتوق إلى الوحدة وقد أثر ذلك على إبنتيه ، وفى ذلك يقول .. "مع أننى تثقفت وخالطت الأجانب وسافرت كثيرا إلى الخارج ودرست الآداب الأجنبيه وترجمت بعضها .. إلا أننى شديد الحفاظ على مصريتى وتقاليدها وصعيديتى أيضا التى لا أتجرد منها أبدًا .. لأننى أجد فى جوهرها الحقيقى الكثير من القيم النبيلة ، التى لا تقل بحال من الأحوال عن المثل الأوربية .

لقد ولدت إبنتاى فى القاهرة ، ومع ذلك لم أرد لهما الإختلاط الزائد عن حده .. الذى أصبح يتسم به المجتمع .. ولذلك لم تنضما إلى ناد من النوادى الكبيرة .. وإنما كان إختلاطهما فى حدود محيط الأقارب والأصدقاء الخلص فقط .. مما يتمشى مع تربيتى الريفية
(1)"

* * *

كان محمود يجلس يكتب أو يقرأ فى كازينو النزهة بميدان تريومف ، ويشاهد العمارة الضخمة التى تقيمها المنتجه آسيا أمام الميدان وأعجب بموقعها الفريد والمتميز وإستأجر فيها شقة بالدور الرابع وتطل واجهتها على الميدان وعلى شارع عثمان بن عفان مقابل أجره شهرية مقدارها سته عشر جنيها فى 28 مايو 1956 .

ويقع الكازينو على الناصية الأخرى المواجهة للبيت ، ومفتوح من جميع الجهات ، وقد يكون فى صحبته صديقيه عاشور عليش وسعد حامد يجلس كل منهم يقرأ أو يكتب ، وإبنته الكبرى لا يغمض لها جفن حتى تأخذها مربيتها إلى الكازينو لتحية والدها قبل النوم ، فيأخذها بين يديه ويداعبها ، وقد ينضم إلى صحبته الأصدقاء أمين يوسف غراب وهلال شتا ومحمد على غريب ، ثم تنفلت إبنته وتقوم بدوره بين الموائد ، وبعد اللف والدوران قليلا، تلقى تحية المساء على والدها والموجودين معه وتعود مع مربيتها إلى البيت لتنام.

* * *

تغيير الإسم

محمود البدوى لم يكن هذا إسمه ، وإسمه المكتوب بشهادة الميلاد محمود أحمد حسن عمر المولود ناحية الأكراد مركز أبنوب مديرية أسيوط .

قام بتغيير هذا الإسم إلى محمود البدوى ، ونشرت جريدة أبو الهول (جريدة يومية سياسية جامعة) يوم الثلاثاء 29 يناير 1957 بالعدد رقم 9223 إعلانا يقول

"تعلن وزارة الصحة العمومية أن محمود بن أحمد حسن عمر
المقيم بميدان النزهة رقم 7 تبع قسم مصر الجديدة يرغب فى
تغيير إسمه إلى محمود البدوى المشهور به .
فالمعترض يتقدم للوزارة خلال خمسة عشر يوما .
مدير قسم الإحصاء

واستخرج شهاده ميلاد فى 9/6/1957 بالإسم الذى تم تغييره ومسجل فيها "صدر قرار اللجنة بتاريخ 28/2/1957 بتغيير الإسم إلى محمود البدوى أحمد حسن عمر بدلاً من محمود أحمد حسن عمر بدون التعرض لإسم الوالد بالكتاب رقم 341 فى 4/3/1957" كما قام بتغيير إسمه فى جميع الأوراق والمستندات الرسميه .

فى نهاية عام 1957 سافر إلى الهند والصين واليابان فى بعثه ثقافية تضم نخبه من أساتذه الجامعات ورجال التعليم فى مصر ، وقبل السفر توجه فى 17/10/1957 إلى شركة يونيون للتأمين ضد خطر الطيران والحوادث التى تنتج عنها الوفاة خلال رحلته من القاهرة إلى الصين واليابان والعودة منهما فى المدة من 20/10/57 وحتى 20/12/57 لصالح زوجته وإبنتيه بمبلغ (5000 جنيه) خمسة آلاف جنيه . وتكررت سفرياته ورحلاته إلى الخارج فى بعثات ثقافية وغير ثقافية .

(1) مسجلة بخط يد البدوى فى أجنده عام 1943
(1) م . اسرتى 31 يناير 1981 مأخوذ من كتاب علاء الدين وحيد المرجع السابق .
(1) من واقع دفتر يومياته عام 1949
(1) م . الثقافة مارس 1975 واكتوبر 1977
(1) حوار معه .. المرأة والأسرة .. م . أسرتى 31/1/1981

الفصل الخامس ـ هارب من الأضواء



الفصل الخامس
* هارب من الأضواء
* مقابلات وحوار
قال عنه : الأدباء والنقاد
.
عبد الرحمن الشرقاوى ـ يحيى حقى ــ د । عبد العزيز الدسوقى ــ غالى شكرى ــ رجاء النقاش ــ د . سيد حامد النساج ـ فؤاد دوارة ـ موسى صبرى ــ يوسف القعيد ـ محمد جبريل ـ مأمون غريب ــ عزت معوض ـ محمد قطب ـ علاء عريبى ــ د. مصطفى عبد الغنى ـ فاروق شوشه ـ أحمد زكى عبد الحليم ــ محمد شوكت التونى المحامى ـ مجدى العفيفى .

* رسائل من أدباء ونقاد

نجيب محفوظ ـ نعمان عاشور ــ محمد أحمد عيسى ـ د. محمد يوسف نجم
أمينة السعيد ـ الشاعره جميله العلايلى ــ د. اولجا فرولوفا

* فتاة من طشقند
* حياة البدوى الوظيفية
* الايام الاخيرة

هارب من الأضواء

أشيع عن البدوى أنه يعيش فى عزلة عن الناس ، والحقيقه عكس ذلك تماما ، فهو يخدم فنه فى كل موقع ، فكان من مؤسسى نادى القصة وعضو تحرير المجلة فى السنوات الخمس الأولى مع توفيق الحكيم ويوسف جوهر وسعد مكاوى ويوسف الشارونى . كما كان عضوا مؤسسا لجمعية الادباء واتحاد الكتاب وساهم فى جميع لجان القصة بالمجلس الاعلى للثقافة وفى المجالس القوميه المتخصصه ولجنة منح الجوائز التشجيعية فى مجالى القصة القصيره والروايه ، وكان يواظب على الحضور ملتزم ومنضبط ، صموت ، قليل الكلام خفيض الصوت ، فإذا ما تحدث فباختصار وبقول مؤثر .

* * *

وما اجرى معه من احاديث طوال حياته بذل فيها محاوروه جهدًا لفتح فمه.. ومن الأمثله الداله على هروبه من الاحاديث الصحفية الكتاب المرسل من الأديب يوسف القعيد ويقول فيه .



مقابلات وحوار

المصدر عنوان الحوار اجرى الحوار التاريخ
ص . المساء مع كاتب القصة الذى تحققت امنيته هذا الأسبوع عاشور عليش 30 / 5 / 1963
ص . التعاون حديث مع محمود البدوى المحرر 3 / 8 / 65
م . آخر ساعة رحلة فى عقل أديب هارب من الأضواء مأمون غريب 16 / 8 / 69
م . الصياد المرأة تفضل الجنس على الطعام نبيل فرج 28 / 11 / 74
ص . الجمهوريه كلام النجوم محمد احمد عيسى 25 / 12 / 75
م . آخر ساعة رحلة سريعه فى عقل محمود البدوى 21 / 1 / 76
ص . اخبار اليوم معجزة جديدة فاطمة بركه 27 / 3 / 76
ص . الانوار زيارة مدينة واحدة أفضل من قراءة الف كتاب نبيل فرج 5 / 3 / 78
م . آخر ساعة التقدير والتكريم لهؤلاء الكتاب مأمون غريب 18 / 10 / 78
ص . الأنوار لمن نكتب ولماذا نبيل فرج نوفمبر 78
ص . الأنوار لا اكتب لرواد المقاهى قصص الجنس نبيل فرج 27 تشرين الثانى 1979
ص . المساء حوار فى حديث عن القصة القصيرة نبيل فرج 1 / 9 / 80
م . القصه فى الظلال يتواجد النور محمد قطب اكتوبر 1980
م . أسرتى المرأة والأسرة علاء الدين وحيد 31 / 1 / 81
م . المصور محمود البدوى بعد سنوات من الصمت يوسف القعيد 25 / 9 / 81
م . اكتوبر الاغانى جعلنى قصاصا 31 / 1 / 82
ص . الأخبار هذا الراهب الذى عاش للقصة 50 عاما مجدى العفيفى 2 / 6 / 82
م . فصول القصه القصيره من خلال تجاربهم يوليو واغسطس وسبتمبر 1982
ص . الشرق الأوسط الكتابه حياتى وبدونها لا أعيش 7 / 9 / 1984
ص . الرياض ستعيش قصصى ما دام يعيش الأدب العربى محسن خضر 7 / 10 / 1984
ص . الأهرام محمود البدوى يخرج من عزلته مصطفى عبد الغنى 22 / 8 / 85
م . الكواكب محمود البدوى يتكلم بعد طول صمت عزت معوض 26 / 11 / 85
م . القاهرة بعد ربع قرن من الابداع والزهد محمود البدوى يتحدث علاء عريبى 14 / 1 / 86
ص . الأخبار آخر كلمات الأديب الكبير محمود البدوى مصطفى عبد اللّه 19 / 2 / 1986
ص . الأهرام هذا الحوار لن يقرأه صاحبه مصطفى عبد الغنى 20 / 2 / 86
ص . الجمهورية محمود البدوى قبل الرحيل شكرى القاضى 24 / 2 / 86


قال عنه الأدباء والشعراء والنقاد

* عبد الرحمن الشرقاوى برنامج أتوجراف . ص . الجمهورية 10/8/1977 .

« من أولى خصائص القصاص الرائد محمود البدوى هى كبرياؤه الشديد وعزوفه عن الوقوف بأبواب هؤلاء المسئولين ليطلب منهم شيئا »

* يحيى حقى ص . الأخبار 19 / 2 / 1986

« محمود البدوى من الرعيل الاول للقصة القصيرة ، أخلص لها ، واقتصر عليها ومد تجربته من الداخل للخارج ، من المدينة إلى الريف ، من الاستقرار إلى الترحال ، ولم أر مؤلفا يخلص لفنه بمثل هذه المثابره والايمان مع التواضع الشديد ، وعزوفه التام عن الإشادة باسمه أو التعريف بفضله ..... وقد كنت أذهب لزيارته وهو موظف بوزارة الماليه فأجد على وجهه امارات الصبر والخشوع وكان ذلك فى الخمسينيات تقريبا » .

* رجاء النقاش مجلة الشهر يناير 1959 .

« أخذت اسأل الذين عرفوه أو إتصلوا به عن شخصيته وحياته ، حتى استطعت ان اجمع بعض المعلومات التى لم تكن مفاجئة لى ، ولكنها كانت ضرورية لتؤكد الصورة التى رسمتها فى ذهنى لهذا الفنان الموهوب المثير .. ومن حقائق حياته ومن طبيعة فنه نستطيع ان نصل إلى تفسير كامل لعزلة هذا الفنان عن الجمهور ، وعدم شهرته بالرغم من أنه يعتبر من الرواد الاوائل لفن القصة القصيرة فى الأدب العربى الحديث »

د. عبد العزيز الدسوقى م . الثقافة سبتمبر 1977

« الاستاذ محمود البدوى رائد الاقصوصة العربية المعاصرة فى مصر ، وواحد من اكبر الرواد الذين أثروا تأثيرا عميقا فى فن القصة منذ الثلاثينيات»

« يمتاز هذا الرائد الكبير بالدماثه والعذوبه والتواضع ، ما جلست إليه إلا أحسست عظمة الفنان وأصالته وشموخه فى هذا التواضع السامى ، وتلك البساطة الرفيعه »

* غالى شكرى م . العلوم ( بيروت ) مايو 1963

« الباحث فى ادب البدوى يدهش كثيرا لانزوائه عن اضواء الدراسة والنقد .. بالرغم من انه الأديب اليتيم فى جيل الرواد الذى يستحق الاولويه بالنظر ، لما كان عليه من وعى عميق بفن القصه من جانب ، واصالة شديدة الذكاء من جانب آخر ، وما كان عليه من جرأة فى ارتياد اعقد المسائل الفنيه والانسانيه .

د. سيد حامد النساج م . القصه اكتوبر 1980

« يكاد يكون الكاتب المصرى الوحيد الذى يحظى باحترام ذوى الاتجاهات العقديه والفكرية من اليمن واليسار ، فهو لا يقحم نفسه فى خضم المعارك أيا كان نوعها ، ولونها ، واتجاهاتها ، رافضا منطق الحزبية الضيقة ، والشلليه السخيفه ، والاخلاقيات الهابطة ، والمصالح المادية المتبادلة ، بمعنى أنه قنع بالاعتدال والتوازن ، لنفسه ولفنه فى آن معا .
لا يكتب الا ما يؤمن بصدقه مع نفسه ـ إنسانيا ـ وصدقه مع مجتمعه ـ واقعيا ـ وصدقه ـ فنيا ـ مع القصة القصيرة ، ومن ثم انعقد الاجماع على أنه فنان عظيم »

« يكتشف المراقب لتاريخ حياته الأدبى ، انه لم يسع وراء الاحاديث الصحفية أو الإذاعية أو التليفزيونية ، كى تنشر صوره واقواله واخباره ، وربما « فرقعاته » فى محاولة لاحداث نوع من البروباجندا حول ذاته وأدبه ، إيمانًا بأن الذين يلهثون وراء هذه الوسائل ليسوا الا ناقصو موهبه ، يحاولون تغطية قصورهم الفنى ، وربما تكون انفاسهم الفنيه قد تقطعت ، فتوقفوا عن العطاء ، بعد شوط أو شوطين بحجة أجرض ، أو الشيخوخه ، أو انهم اكتفوا بما قالوا ، وما قالوه هو كل ما كانوا يملكون ، وكفى الكتاب عذاب الخلق والابتكار والتطور والتجديد » .

* فؤاد دواره ـ الالف كتاب فى القصة القصيرة ـ مركز كتب الشرق الأوسط 1966 .

« لم أستطع أن أذكر أنى قرأت عنه شيئا فيما ينشر كثيرا فى الصحف والمجلات عن أدبائنا وعن القصاصين منهم بصفة خاصة ، كل ما تذكرته هو تلك الكلمات الضاحكه التى قدمه بها « نعمان عاشور » فيما يشبه الصورة الكاريكاتورية فى مجلة « أخبار الثقافة » وكان أبرز ما علق بذهنى منها أنه أديب محب للعزلة بعيد كل البعد عن المجتمع الادبى والثقافى ، وقد أيد هذا الرأى ما قرأته بعد ذلك عن رفضه حضور الندوة التى قدمها البرنامج الثانى ونوقشت فيها احدى قصصه فى برنامج « مع النقاد » مكتفيا ببرقية شكر أرسلها إلى السيدة « سميرة الكيلانى » مقدمة البرنامج وللنقاد الذين ناقشوا قصته ، اما غير ذلك من الحقائق المتعلقة بالكاتب القاص فلا يستطيع احد الاهتداء إليها بسهولة .. »

* موسى صبرى آخر ساعة 26 / 2 / 1986

« كان كاتبا كبيرا بلا مجتمع ، عاش العزلة ، وهواها ، وصادق أوراقه وأقلامه ، وابتعد عن الأضواء ، وابتعدت عنه الأضواء »

« كان اسلوبه ، تعبيرا كاملا عن شخصيته ، كان قليل الكلام وكانت عبارته لا تحتمل حرفا زائدا ، كان هادئا ، وكانت كلمات قصصه هادئه ، وكان فى عزلة الفلاسفه ، وكانت سطوره فلسفة قائمة بذاتها ، عن اغوار النفس الإنسانية .

* ص الأهرام 16 / 2 / 86 ومجلة القصه أبريل 1986

« عاش محمود البدوى ، عفيف النفس ، جم الأدب ، خفيض الصوت ، ساعيا إلى الخير ، نابذا العنف والمصادقة عاشقا للثقافة ، متبحرا فى آفاقها »

« وقد ساهم محمود البدوى رغم عزوفه عن المظهريه والشهرة ، فى جميع لجان القصة سواء بالمجلس الاعلى للثقافة أو فى المجالس القومية ، لم يتأخر عن اجتماع واحد ، وبرغم شدة معاناته من المرض فى الأونة الاخيرة إلا أنه كان يواظب على الحضور ، ويبذل فى ذلك غاية الجهد ، وكان خلال تلك الاجتماعات يمثل النور الذى يهدى إلى الرأى الأصوب ، والحل السليم ، كان دائم الصمت فإذا ما تحدث كان لحديثه الرأى القاطع والحكمه المصفاه».

* يوسف القعيد المصور 25 / 9 / 1981

« يتوقف القلم طويلا قبل البدء فى حوار مع محمود البدوى ، والحيرة تصل إلى طريق مسدود ، فبأى الكلمات أبدأ ؟ هل أقول أن هذا الكاتب الجالس أمامى عباره عن 73 عاما يحملها فوق كتفيه و 500 قصة قصيرة صدرت فى 20 مجموعة قصصيه ورواية واحده وكتاب واحد فى أدب الرحلات ، ومع هذا نسيه الكل ، ام هل ابدأ بالقول انها ربما كانت المرة الأولى ، التى يجرى معه فيها حديث طويل طويل ، عنه وعن حياته ، رفض فى البداية ان يجرى اللقاء فى بيته لا علاقة بين البيت والحياة العامة ، هكذا قال لى ، وتواعدنا على اللقاء فى مقهى بشارع عماد الدين »

* محمد جبريل ص . الوطن العمانية 11 / 5 / 1981

« أشد الأدباء عزوفا عن الادلاء بالاحاديث الصحفيه ، أو التعبير عن رأيه فى قضية ما .
ان العمل الفنى هو الجسر الوحيد الذى يصل بينه وبين القراء والنقاد على السواء ، أما الأدلاء بالتصريحات والأحاديث فتلك ـ على حد تعبيره ـ مهمة السياسى وليست مهمة الفنان ، فالسياسى يحتاج إلى قوة منطق وقدره على الخطابه لاقناع الجماهير ، أما الفنان فإنه لا يهدف إلا إلى اقناع القارئ بأصالة عمله .

وأقول للبدوى ، ولكن معظم ادباء العالم لهم آراؤهم فى المشكلات الأدبيه والسياسيه أيضا ؟
يجيب فى دهشه ؛ لماذا لا تكون هذه الأراء نبضا لاعمالهم الفنيه ؟ ... هذا هو ما أحاول أن أفعله »

* مأمون غريب م . آخر ساعة 6 / 8 / 1969

« لم اشاهده فى ندوة أدبية .. إنه يختفى من مجالس الأدباء .. وله عاده واحده هى أنه مغرم بمشاهده الافلام .. وفى بعض الايام يدخل أكثر من فيلم فى يوم واحد ..

وقد شعرت بالحيرة فعلا عندما حاولت ان التقى به .. هل سيهرب من اسئلتى .. كما يهرب من الندوات الأدبية والفنية .. وكيف العثور عليه ؟

وبصعوبة التقيت به .. وبصعوبة أكثر حاولت أن افتح فمه للحديث .. كانت اجاباته مختصره للغايه .. ومع ذلك فهى تقريبا من افكاره ومن رؤياه للحياة وما يعتمل فيها من صراعات .

* عزت معوض م . الكواكب 26 / 11 / 1985

« أقول لكم الصدق ، عندما كنت ابحث عن عنوان أو رقم تليفون الأديب المبدع .. اكتشفت وياخيبه ما اكتشفت .. اكتشفت كأننى كنت ابحث عن القارة المجهولة ـ او المستحيلات الثلاثة ، الغول والعنقاء والخل الوفى .. الكل استغرب سؤالى .. وكأننى كنت أسأل عن إبره فى كومة تراب .. » .

* محمد قطب محمود البدوى عاشق القصة القصيرة المكتبه الثقافية الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987 .

« لا يقترب من المعارك أو يقحم نفسه فيها ، ومن ثم لم ينتم إلى حزب أو اتجاه ، لقد رفض فى إدانة حاسمة ، كل شعارات التحزب ، وأفكارها الضيقه، كما نأى بنفسه عن كل تجمع شكلى .. تهبط فى مداخله الأخلاق التى يحرص عليها حرصه على حياته ..

* علاء عريبى م . القاهرة 14 / 1 / 1986

« آثر الزهد فى حياء بفنه ، آبيا أن يسعى كالآخرين وراء الضوء ، الضوء الزائف ، ضوء مافيا الاعلام ، رافضا كل الرفض منطق الحزبية والشلليه والمصالح النفعيه .. أثر الفن والصمت ، رفض فكرة العلاقات ، رفض التمذهب فى الأدب .. » .

* د. مصطفى عبد الغنى الأهرام 20 / 2 / 1986

« رحل فى هدوء كما عاش حياته .. وإذا كانت الأضواء قد غابت عن الرجل فى حياته وربما بعد مماته فإن قيمته ودوره سيظلان أكبر من كل الأضواء »

* فاروق شوشه برنامج امسيه ثقافيه 1986 « عاش البدوى حياته الطويله فى صمت ،
بعيدا عن ضجيج الحياة والمجتمع ، لم يعن ابدًا أن يكون واحدا فى مجموعه أو هيئة أو تجمع ، ولم يكن يشغل نفسه أن ينتمى إلى أحد ، ولا أن يكون فى شلة ولا أن تسلط عليه الأضواء » .

* أحمد زكى عبد الحليم م . القصه ابريل ـ مايو ـ يونيه 1995

« اكتفى بموهبته الاديبه تتحدث عنه دون أن يتيح للأخرين أن يلتقوا به ، وان يستمعوا إليه وان يتعرفوا إلى مقوماته الذاتيه والادبية »

« كان منطويا على ذاته ، لايرتاد المجتمعات ولا النوادى الثقافية ولا يختلط بالآخرين إلا قليلا ، وغالبا ما كان يأنس إلى نفر قليل دون أن يفتح قلبه أمام غيرهم ـ الصامت ، المنطوى ، الخجول »

« لقد كان محمود البدوى بارعا فى عالم الفن والخيال ، ولكنه للأسف الشديد كان يفتقد أدوات التعامل فى عالم الحياة والانسان ، فقد ظل طوال حياته بعيدا عن التجمعات والشللية ، لا يعرف الاتصالات الشخصية ، ولا يحاول أن يدفع بأخباره إلى الصحف فيظل فى دائرة الضوء كما يفعل كثيرون، رغم ان البدوى كان لديه ما يمكن أن يقدمه حقيقه ، دون أن يكون الهدف ـ كما يحدث الآن ـ عمليه التلميع من خلال الإصرار على أسماء معينه، بسبب وغالبا بدون اسباب »

* محمد شوكت التونى المحامى ص . المقطم 23 / 6 / 1936

« لو أنه كان من ذوى الجاه المادى الكبير أو من اصحاب المناصب الحكومية العاليه ، أو من ذوى النفوذ فى دور الصحف ووجد من يحرق البخور بين يديه ويغرس له أوراق الورد بين أنهر الصحف والمجلات ويطلق له أناشيد المديح واهازيج الثناء ، لكان لكتابيه ( الرحيل ـ رجل ) اليوم شأن أى شأن .. ينتج كى يرضى رغبته الفنيه سواء صاح حوله الصائحون أم أحس بأنه يعمل فى وسط قبور يخيم عليها جلال الصمت ووحشه السكون » .

* مجدى العفيفى ص . الأخبار 2 / 6 / 1982

يقول البدوى لمحاوره مجدى العفيفى « إننى سعيد بحياتى الهادئه البعيده عن الأضواء والشهره ، ولقد اسفرت الرحلة عن حكمة اؤمن بها ..

ان كل شىء باطل .. ولا يتبقى فى الحياة إلا المحبة والخير والجمال وهذا ما أسعى إليه فى كل كتاباتى » .

رسائل من أدباء ونقاد

عن شخصية البدوى . واخلاقياته وسلوك تعامله مع مجتمعه ، سأكتفى بنشر بعض الخطابات الوارده إليه والتى تعطى صورة كاملة عنه .

رسالة الأديب العالمى نجيب محفوظ فى 15 / 10 / 1981



*****



رسالة نعمان عاشور فى 7 / 2 / 1970

div align="center">


نص الرسالة


الكويت فى 7 / 2 / 1970

عزيزى الأخ الحبيب الاستاذ محمود البدوى
شوقى وحبى وعظيم تقديرى الدائم لك ولاخوتك لاحرمنى اللّه ابدا منك ومن عطفك الدائم .
خطابك الثانى ضاعف من قوتى ومنحنى من السعادة مالا يوصف ولست أدرى بأى لسان اشكرك على اهتمامك بى وبصحتى .. متعك اللّه بالعافية على الدوام .



الحمد للّه اننى أتقدم فى طريق الشفاء .. وذلك بفضل ما أحسه من رعايه وأخوه .. منك ومن كافة الاخوان الذين راسلونى بعد اصابتى .. ولا أخالفك أبدا فى عيون الناس وحسدهم .. نجاك اللّه من سوء ما فى البشر .. والبشر الذين نعيش بينهم ويالهم من بشر .. زادهم اللّه قدره على الحسد .. وزادنا مناعة ورد عنا غائلة حسدهم .. ولو علموا أننى هنا فى الكويت طريح الفراش واننى لا اكسب مليما واحدا وأعيش على مرتب زوجتى وهو مهما زاد فلا يمكن إلا ان يكفينا مغبة أفضالهم .. وكذلك كان حالى فى العام الماضى .. فأنا هنا ممنوع من أى عمل أو جهة بحكم اقامتى كمرافق للزوجة .. حسب قانون البلاد نفسه وحسب تصريح الاقامه .. ثم حسب ما ربما تعرفه جيدا عن كرامتى واحترامى لقلمى وفكرى ..

المهم .. سامح اللّه الكل .. والمهم أننى انعم بالاقامه وسط اولادى ومع زوجتى وهم كل وجودى .. كتب اللّه لنا السلامة والعودة بخير فى نهاية الشهور الباقية .. أتعرف أنهم أرسلوا إلى فى الجريدة يطلبون .. اما حضورى أو قطع مرتبى .. وانهم ممتنعون عن نشر ما ارسله من يوميات .. ثم ماذا أقول ..

يا أخى .. حدثنى عن فضل مزعوم لى عليك .. متى كان هذا الفضل وأنت صاحب الفضل كله .. انها رقة احساس بالغة لا تصدر إلا عن فنان فى مثل قامتك وخلقك .. ولا أطيل عليك متعك اللّه بكل صحة وتوفيق وسداد وابقاك لعائلتك وأهلك خير أب وزوج ولنا جميعا أوفى وخير الأصدقاء .

حبى الدائم الخالص وشكرى العميق وتمنياتى بالسعادة لكم ،
أخوك
( توقيع )

رسالة من الصحفى محمد أحمد عيسى فى 27/1/1979:








نص الرسالة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

عزيزى الأخ الفاضل الاستاذ الكبير محمود البدوى
تحيتى .. واشواقى الحاره وتمنياتى لك والأسرة بالصحة والسعادة .. وصلنى خطابك الكريم وأشكر لك شعورك النبيل بسؤالك عن أسرتى .. وهذا فضل لا أنساه وخاصة من يعانى الغربة القاسية مثلى .. وبدأت افكر يا أخى الكريم أننى تسرعت فعلا فى قبول هذه الاعاره والسفر إلى الخارج .. لأننا ـ وان كنا بين قوم من اطيب الناس ـ نعيش حياة تختلف تمام الاختلاف عن الحياة التى اعتدناها وكلها عمل وكلها انفعالات .. هنا الهدوء الكامل الذى لم أعتد عليه ابدا فى حياتى ولعلك تعلم ذلك منذ عرفتنى من سنوات بعيده وطويله .. ولكنها ارادة اللّه ومشيئته ... وقد فوجئت يا أخى الكريم إن الصحافة هنا قليله جدا .. جريده يومية واحده واعتقد مجلة واحدة مما لا يعطينى الفرصة لأمارس نشاطى ولو بالمجان وهذه عقبه كبيرة فى حياتى الجديدة ..

وتذكرنى يا أخى الكريم بلقاء كوبرى رمسيس عندما نلتقى وعلى وجهى ابتسامه المرح .. ولكن آه أين هى الآن إبتسامة المرح .. كل ما أرجوه أن أعود إلى وطنى واصدقائى ـ تحياتى إلى الأخ رستم وعاشور عليش ولك حبى ووفائى والسلام

محمد أحمد عيسى
البحرين
27 / 1 / 79


رسالة الدكتور محمد يوسف نجم فى 21 / 1 / 1964

div>




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نص الخطاب :

محمد يوسف نجم
الجامعة الأمريكيه فى بيروت
بيروت فى :21 / 1 / 64

أخى الكريم الأستاذ محمود

تحية وموده وبعد . لم اسمع اخبارك ولم أقرأ لك شيئا جديدا منذ مدة . لعلك تعد عملا جديدا تفاجئنا به كالعادة .

ما أزال بحاجة إلى المقالات النقدية التى وعدتنى بها . بعد 3 أسابيع سأبدأ فى تدريس الاقصوصه مع تلاميذى ، وأنا مصر على أن يكون لك حظ كبير فى هذه الدراسة ، نظرا لوقوفك شامخا بين كتابنا المحدثين . اعلم انك تتضايق من مسائل البريد ولكن لأجل خاطرى أرجوا أن تضع هذه المقالات فى مغلف وان ترسلها بعنوانى ـ الجامعة الأمريكية ـ وسأستنسخها على الآلة الكاتبه وارسل لك نسخة منها . ارجو أن يصلنى ردّك بالايجاب فى أقرب وقت . ولك الشكر والموده .

من أخيك
( توقيع )

رجاء خاص : لكى تسهل على الطلاب الذين يدرسون قصصك أرجو كذلك ان تختار أحسن عشرين أقصوصة لك تمثل اتجاهك وتطوره منذ بداية الكتابة يكفى ان تذكر الاقصوصه واسم المجموعة فقط .

رسالة من الدكتوره أمينه السعيد فى 19 / 7 / 1936












نص الخطاب :

حضرة الاستاذ الفاضل محمود بدوى

أهديكم تحية صادقة

وأتمنى إلى اللّه أن تكونوا متمتعين بالصحة والهناء ..

وصلنى منذ مدة ليست بالبعيده مؤلفكم ( رجل ) وكنت أحب أن أشكركم فى حينه لولا اننى نزيله مستشفى الاسماعيلية منذ شهرين بسبب مرضى . وها أنا انتهز فرصه تحسن صحتى لإبلغكم شكرى الجزيل واعتذارى عن التأخير وعشمى ان تقبلوا منى هذا الاعتذار ...

اما عن الكتاب فقد قرأته ووجدت فيه لذه ومتعه لأنه صور وان كانت صغيرة إلا انها تمثل الحياة العاديه وهذا أفضل ما يقدمه المؤلف إلى القراء ..

ومعظم الكتاب يصور صراع رجل بين واجبه وقلبه وانتصار الرجوله فى نهاية الأمر ويخيل إلىَّ أنها صوره صادقة لأمر حقيقى فى قلب المؤلف .

فهل صدق ظنى أم أن قدرتك فى التعبير قد صاغتها فى هذا القالب الواقعى .. ؟؟ !!!
على كل اهنئك واتمنى لك دوام النجاح واشكرك من كل قلب .

ودمتم إلى
المطيعه
أمينه السعيد








نص الخطاب

سيدى محمود البدوى المحترم

تحية طيبه وبعد

قد وصلنى خطابك العزيز ، فسررت بسلامة وصولك لأرض الوطن فإن وجودك فى ليننجراد قد أثر علىّ تأثيرا كبيرا . فإننى قد كنت كثيرا ما أقرأ قصصك الجميلة وأتحدث معك بدون أن أراك .

والآن أنا أقرأ فكأننى أسمع صوتك الهادئ الملىء بالهيبة والوقار ، وأتصور رحلتنا إلى متحف الأرميتاج وزيارتكم إلى جامعتنا .

واشكر لك على خطابك والذكرى .

أما أنا ففى الفترة الأخيرة لا أترجم شيئا إلى الروسية لأننى مشغولة بكتابة سلسلة المقالات عن شعراء العاميه فى مصر كما قد أخبرت فى وقت إقامتكم هنا .

فمنذ فترة قصيرة قد نشرت مقالة صغيرة عن الاستاذ طه حسين وهى فى دائرة المعارف العربية التى تنشر هنا الآن .

ولكنى لا أترك الفكرة فى ترجمة القصص ، وفى خطتى أن أترجم بعض القصص لحضرتك كما اريد أن اترجم بعض القصص للاستاذ حلمى مراد من المجموعة التى تشرفت بأن استلم منه هدية غالية .

وكيف أحوال سيادتك ؟ أنشرت قصصا جديدة ؟ أفى نيتك كتابة شىء عن زيارتك إلى الاتحاد السوفيتى ؟ ربما فى شكل قصص كما كان فى مجموعتك السابقة عن زيارتك إلى الشرق الأقصى .

وكل هذه القصص لحضرتك جميله ورائعة .

وكيف احوال اصدقائنا الاستاذ حلمى مراد ومحمود حسن اسماعيل وصلاح عبد الصبور ؟ تحياتى الطيبه لهم .

إننى سأكون فى غاية السرور بأن استلم خطابات من حضرتك وهذا شرف كبير بالنسبه لى .
ومع احسن تمنياتى بالصحة والسعاده والنجاح .

المخلصه اولجافرولوفا



فتاة من طشقند

فى أثناء قيامى بالبحث والتنقيب عن حياة البدوى الخاصة التى لا يعرفها أحد ، أطلعت على الاوراق والرسائل التى تركها فى درج مكتبه ، ووجدت مجموعة كبيرة جدا من الرسائل والكروت المرسلة إليه من أدباء وأديبات وأصدقاء ، مصريين وأجانب منذ رحلته الأولى عام 1934 كتبت بلغات أجنبيه مختلفة وباللغة العربية .

ولكن الذى شد إنتباهى وتوقفت عنده طويلاً خطاب مرسل من طشقند يوم 29 أغسطس 1970 .



وقال البدوى بذكرياته المنشورة بمجلة الثقافة عدد نوفمبر 1979 « منذ سنوات طويلة ، إتصلت بى سيدة أجنبية ، وأبدت رغبتها فى مقابلتى وقالت لى أنها جاءت إلى القاهرة متطوعة لدراسة القصة المصرية ، وتود اللقاء لهذا الغرض . وعلى الرغم من أننى أتردد كثيرا فى تلبية مثل هذه الرغبات لأن من لا شأن له فى بلده لا يسعى بالبداهة فى ان يكون له شأن فى بلاد الآخرين .. ولأنى فى أعماق نفسى أعتقد بأنى لم اكتب شيئا بعد أستحق عليه الدراسة والبحث . ولأن الكثير من هؤلاء المستشرقين يكونون عيونا لبلادهم. ويتخذون من الاستشراق ستارًا يخفون به نواياهم الحقه .

أقول وعلى الرغم من كل هذه الاعتراضات ، فإن المتحدثه سيدة ، وقد الحت وعرفتنى بأن من قابلتهم عرفوها بطباعى فى إحتمال الرفض . ولهذا ترجو ، وتحت رجائها وافقت وتركت لها حرية إختيار المكان ، فاختارت حى الأزهر لأنها تعرف مسالكه .

وجاءت بأديب يعرفنى ليسهل لها الاهتداء إلىَّ فى المقهى .. وفوجئت بشابة أقل من العشرين ربيعا . ولم تكن سيدة نصف كما تصورت من حديثها الأول، وصوتها فى التليفون ، وأراد الشاب أن يستأذن بعد أن تم اللقاء ، ولكنى أبقيته ليشرب الشاى معنا .

وكانت تتحدث العربية بطلاقه واللهجة المصرية بعذوبة أيضا .. وحدثتنى أنه مضى عليها ثلاثة أشهر فى القاهرة . وقد اقتربت من إستكمال بحثها ، فيما يتصل بالادباء الآخرين .. أما أنا فلا تعرف عنى إلا القليل .. وقد رأت أن تسقطنى من الحساب بعد عجزها عن مقابلتى ، لولا أن استاذها ـ بعد أن كتبت له رسالتين ـ أصر على وجودى واستكمال البحث شاملا كل الاسماء التى عينها لها قبل سفرها إلى القاهرة .

ومن هنا ادركت اصرارها على مقابلتى كما أدركت جدية البحث . وكانت الشابه من طشقند وملامحها شرقية خالصة . ولولا زرقة خفيفه فى عينيها الناعستين ما بعدت عن المصريه فى شىء .

وكانت نحيفة القوام طويلة صبوحة الوجه فى جمال يريح من يقترب منه ويبتعد عنه ، خفيفة الحركة تغطى شعرها الاسود بوشاح خفيف الزرقه وعينها بنظارة تقيها الحرارة والغبار فى أواخر مايو .. وكان فستانها سنجابيا من قطعة واحدة ، يبدو من بساطته انها هى التى فصلته لنفسها .

وكان كل حديثها فى الأدب والقصة .. ولم توجه إلى سؤالا واحدًا يشتم منه رائحة السياسة .. وأدركت من حديثها أن أستاذها فى جامعة طشقند ، هو الذى اختار لها هذا البحث ، بعد ان لمس رغبتها الشديدة فيه .. ولهذا مضت بجدية ونشاط .. وستكمله بجامعة موسكو ..

وإلتقينا كثيرا بعد اللقاء الأول فى نفس المكان أو قريبا منه وتغدينا ذات مرة فى مطعم كباب صغير بالحى .. ورغم دخان الفحم الذى ملأ عينها ، وهى تأكل ، لشى اللحم على النار ، فإنها لم تتأفف ولم يبد عليها التذمر . وكانت تأكل بشهية وتتحدث بمرح وطلاقه .

وكانت تنزل فى منزل للفتيات فى حى الزمالك فكنت عند عودتها أختار لها سائق التاكس الذى يوصلها إلى بيتها وأختاره بدقه . وأحيانا أركب معها حتى الإسعاف .

ولاحظت هى ذلك ، وانى شديد الحرص على راحتها وأمنها .. فظلت تحتفظ بهذه المشاعر فى نفسها .. ثم اطلقتها مرة واحدة بعد أن سافرت .

وفى صباح يوم حملت معها تسجيلا وسألتنى عن مذهبى فى الكتابه .

وقد ضحكت فى نفسى من هذا السؤال الاكاديمى ..

فأنا اكتب ما أشعر به ، وأحسه بوجدانى ، وأعيشه فى حياتى .. واكتب عن تجربه صادقه . ولا أفتعل الحوادث ولا أزينها .. ولا أتقيد بمذهب ولا أعرف المذاهب . وأنا واقعى مثل جوستاف وفلوبيرودكنز وجوركى وتشيكوف وطبيعى أحيانا مثل زولا .. وهؤلاء لم يدرسوا الواقعية ولا الطبيعة قبل كتابتهم. وإنما كتبوا بالفطرة . ومتأثرين بالجو الذى يعيشون فيه ، وبالأشخاص الذين يلتقون بهم فى الحياة . فشخوصهم حية عامرة بنبض الحياة . ولهذا عاشت قصصهم .

وأتا متشائم أحيانا ، ومتفائل جدا أحيانا أخرى ، تبعا لمدارج حياتى .

ولم أتلق الكتابه عن استاذ ، ولم يوجهنى شخص .. واكتب فيض مشاعرى، لا نفس عن نفسى وأعيش .. ولو لم اكتب لمت بالسكته من فرط الاحساس بعذاب الناس . وما تطحنهم به الحياة ، وما تصيبهم به قارعات القدر . وما يلاقونه من عنت وظلم فى العجلة الدوارة .

وأنا كالشاعر الذى يقول الشعر بالسليقه قبل أن يتعلم العروض . واكتب قبل أن أعرف المذاهب الأدبية .. ومعرفتها هراء فى هراء .. والكتابة القصصية فن والهام يأتيان بالفطرة .. والقراءة والدرس لإكتساب الشكل الفنى ألا مثل وتجويده ، ولاتساع مدارج التفكير وعمق النظرة للحياة .

وقد تأثرت بالمازنى ككاتب روائى وأديب متفرد . وأسلوبه من أحلى واجمل الاساليب العربية .. كما أن شوقى أعظم الشعراء .

وقد مهد إلى سبيل الكتابة والنشر أستاذى الزيات . ولولاه ما واصلت الكتابه ، ولاكتبت حرفا .. ولأصابنى العجز والضيق فى أول الطريق .. وكانت رسالته رحمه اللّه رسالة الرسالات وقد عجزت الدولة من بعده بكل إمكانياتها أن تخرج مثلها . فالعمل الأدبى إخلاص وتضحيه ولا يزيد ولا ينقص بعدد الأشخاص الذين يتولونه .

وانا آخذ الشكل الفنى من تشيكوف فى لمساته الإنسانية وصدقه فى العرض وعنايته بالشخوص المسحوقة هى موضوعى الأمثل فيما اكتب .

وأستفيد من كل كتاب اقرأه ، وما رددت كتابا وقع فى يدى قط ولا استثقلت ظله ، فأى كتاب تقرأ تستفد .

والنهضة الادبية عندنا عظيمة . ويعتريها المد والجزر ككل شىء فى الحياة.. وهناك تطور ملموس فى الرواية والقصة القصيرة وتجديد وخلق لا ينكره أحد ..

سألتنى :
ــ هل عندكم أديب مثل غوركى .. ؟
ــ أجل .. عندنا العقاد .. وقد يكون أضخم منه .. ولكنكم تبرزون أدباءكم بوسائل كثيره .

أما نحن فلا نزال فى أول الطريق .. واليهود من أدبائكم .. يتلقاهم اليهود فى العالم بضجة وبوسائل دعائيه هائلة .. وتلك هى طريقتهم . ثم يفوق العالم لنفسه ، ويجد أن كلامهم لا وزن له ولا قيمة .. وأدبنا تنقصه الدعاية لينتشر ، ولكنا نكتب ما نشعر به بحريه .. ولم يوجه الأدب عندنا إلى شىء معين ومنذ مئات السنين والادباء يعبرون عن روح الشعب وآلامه ـ لأنهم خرجوا من صميمه وعندما سيطرت الدولة عندكم على الادب ووجهته مات فى المهد ولم يعش منهم أديب واحد ..

والعالم لا يقرأ الآن إلا تولستوى .. وجوجول .. وتشيكوف .. ونور جيتيف .. وبوشكين .. وحاولتم وأد دستويفسكى ، ولكنه كان أقوى من كل من حاربه . وعدتم إلى طبع كتبه .. بعد أن أدركتم أنه فخر لروسيا أن يكون دستويفسكى كاتبا روسيا .. كما يفخر الانجليز بشكسبير .. والالمان بجوته .. والطليان بدانتى والعرب بالجاحظ .

ــ ولماذا إكتفيت بالجاحظ ؟
ــ لأن فيه الكفايه ..

والفكر خالد وسرمدى ، ولا قيود يمكن ان تطمس وهجه .. والقارئ يحب أن يرى وجهه فى الكتاب الذى يقرأه . ويلمس مشاعره وأحاسيسه بين السطور ، وأخلد الكتاب هم الذين صوروا الحياه بصدق . وأنا أقرأ أدب الحرب والدعاية ، وأشعر بغتاتة ، فهل الالمان وحدهم هم الذين قتلوا النساء والأطفال فى الحرب وهتكوا الاعراض .. والروس والإنجليز والأمريكان لم يفعلوا ذلك ، هل كانوا فى نزهة ويمسحون على أزرع النساء فى المانيا وإيطاليا ويربتون على أكتافهن .. إن التاريخ لا يغفل مهما حاول المنتصرون طمسه . لقد لاقى النسوة العذاب والهوان بعد الهزيمة . وذهب ماء وجوههن فى حالات الجوع والتشرد .

ويل للمغلوب كما قال غليوم .. وفظائع الحرب تصيب الجميع بالدمار والفساد والتمزق ، وعلينا أن نكتب الحقيقه والصدق .

وخرجنا فى عصر يوم من الأزهر إلى الغورية والمغربلين . وسرنا فى شارع محمد على فى اتجاه القلعة .. ولم نشعر بالتعب من طول المشى .. ولاحظت هى أن الباعة والتجار فى هذه الاحباء على دماثة فى الخلق وذوق وأدب فى الحديث .. فسألتنى عن السبب .
ــ هذه هى مصر الخالصة .. وهؤلاء هم المصريون الخلص .. فى السيدة والحسين وطولون والقلعة .. أما الاحياء الاخرى فقد إختلطوا بالوافدين من كل الاجناس .. فتغيرت طباعهم تبعا لذلك ..

وكنا قد قطعنا شارع محمد على ، وصعدنا فى الطريق الضيق الذى بين مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعى .. وكان تيار الهواء شديدا عندما أصبحنا فى هذا الموقع للارتفاع الشديد بين الجدارين .. فجرف الهواء الغطاء الذى تغطى به رأسها ، وطار ثم وقع .. وطار ثم وقع وجريت وراءه ..

ووقفت تنظر وتصيح بالحاح :
ــ أتركه .. أتركه ..

ولكنى بعد جهد شاق وجرى طويل .. أمكننى أن أمسك به وأعود به إليها وأنا ألهث .
وقرأت فى عينيها ، وملامح وجهها ، وحركة صدرها .. أنها كانت تود أن تفعل شيئا تقتضيه السليقه كتعبير عن الشكر .. ولكنها ردت هذا الانفعال الطبيعى بعنف فى أخر لحظة لما رأت جهودى وفتور عواطفى .. وكان من رده أن أخضلت عيناها بالدمع ، وارتفع صدرها وانخفض ، وتلجلج صوتها بضحك هستيرى .

وحولت وجهى حتى هدأت .. ثم أمسكت بيدها ودخلنا مسجد الرفاعى.. وحدثتها عن قاهرة المعز لدين اللّه .. وما فيها من مساجد وأضرحة.. واعتقاد الشعب بأن اللّه يحمى القاهرة من كل غزو ودنس تكريما لاهل البيت ومثواهم فيها .. وهى اللمسة الروحيه تنفع الناس ، وتعطيهم ثقة مؤكده ..

ــ ولكن قد تضر .. لأنها إتكالية ..
ــ ابدا إنها تدفعهم فى وجه الغازى بضراوة .. وكل حوادث التاريخ تبين هذا .. اللمسات الروحية فى اعماق النفس لها وهج كبير .. وعندما دخل نابليون .. تصورى نابليون بكل إنتصاراته وغزواته .. عندما دخل بخيله الأزهر إنهزم .. إنهزم وجر أذياله ..

وخرجنا إلى جولة فى الحى وكانت تنظر إلى قباب المساجد والمآذن المحيطة بنا وعيناها مخضلة بالدمع .. وتحدثنا عن عمر بن العاص عندما دخل مصر ، وحكم العرب للمصريين ورسالة عمر بن الخطاب إلى قائد جيشه تشريع إسلامى ودستورى للحرب إنسانى عادل حازم لم يحدث بعدها مثله فى كل ما حدث فى الدنيا من حروب .. وحدثتها عن العرب عندما دخلوا تفليس وحكموها وأقاموا بها مئات السنين وبعدها إنتشروا فى روسيا ومقاطعاتها ومنها طشقند .

قلت لها
ــ لابد ان يكون جدك عربيا « يا ثريا » .
فضحكت وقالت :
ــ إن أستاذى يقول هذا ..

وركبنا فى العودة الترام .. وكانت تركبه لاول مرة وطال حديثنا وتشعب.
وسألتها :
ــ هل فكرت فى الزواج .
ــ بعد اتمام دراستى .. افكر ..
ــ ومتى تنتهى من هذه الدراسة ..
ــ بقى لى سنتان .. وسأمضى منهما سنه فى جامعة موسكو ..
ــ وكم بقى لك من الزمن فى القاهرة .. ؟
ــ نصف شهر ..
ــ إذن سأبحث عن القصص التى تنقصك من اليوم ..
ــ شكرا .. وسنتقابل كل يوم إلى أن أسافر .. ولن أحتاج إلى الدليل .. فقد عرفت مكانك المختار ..

وسافرت « ثريا » فجأة .. وعلمت بسفرها من رسالة بعثتها بعد أن وصلت إلى بلدها . وكتبتها بخط عربى جميل أوضحت فيها عنوانها وفاضت فيها كل مشاعرها .. وكان الشكر فيها على كل ما قدمته لها من عون لتحضير رسالتها .. هو الغالب على كل التعابير .

وشاءت إرادة اللّه أن اسافر إلى موسكو .. وكان فرحى لأنى سألتقى « بثريا » أكثر من فرحى لأنى سأزور بيت تشيكوف .. وأرى المكان والجو الذى عاش فيه ذلك الكاتب العظيم .
« وكتبت لها رسالة قبل سفرى »

* * *

سافر البدوى فى بعثه ثقافية إلى موسكو فى يناير 1973 ، وبعد معرفته للفندق الذى نزل فيه أرسل إلى « ثريا » رساله ، ولما لم يتسلم أى رد منها تصور أنه أخطأ كتابة العنوان باللغة اللاتينيه .

ويقول « فنزلت فى بهو الفندق وأول سيدة روسية قابلتها .. طلبت منها ـ دون تمهيد ـ أن تكتب العنوان بالروسية على ظرف معى .. فكتبته وهى تبتسم .

والمشاعر الجامدة التى قابلت بها الفتاة فى القاهرة لفارق السن الكبير بيننا ولأنها أولاً وأخيرا ضيفة وطالبة وصغيره .. إنقلبت فى موسكو إلى حالة اندفاع هستيرى .. فكنت أبحث عنها فى كل الوجوه الإنثوية التى التقى بها عرضا فى الطريق والمتاحف والجامعات ودور الكتب .. ولم أكن أدرى ما الغرض من اللقاء وما الذى يمكن أن يحدث بعد اللقاء .. ولكنى كنت أصر عليه وأبذل كل وسيلة .

ولم يبق إلا القليل من الأيام .. وأعود إلى القاهرة .. وأصبحت فى حالة يأس .. وبينما أنا أتمشى فى البهو الصغير للفندق الملاصق لسوق البيع بالدولارات .. لمحت سيدة خيل إلىَّ أنها أمها أو أختها الكبيرة ..

وسألت بأدب بعد تمهيد .
ــ السيدة من طشقند .
ــ لا أنا من جورجيا .
ــ حسبتك من طشقند .. وأرجوا المعذرة ، أطلب منك كتابه هذا العنوان على طشقند .. وكتبته بدقة وعناية .. وسألتنى بعدها فى خجل وشرود وقد رأت دولارين فى يدى ..
ــ أمعك خمسة من هذا ..
ــ أجل معى ..
ــ الست فى حاجة إليها .
ــ أجل .
ــ سأشترى شيئا من السوق هناك .. ولا يوجد مثله إلا فى هذا السوق ..
ولا يبيعون إلا بالدولار ..

وأخرجت لها ورقه بخمسة دولارات ..
فتناولتها وسألتنى .
ــ أتقيم فى هذا الفندق .. ؟
ــ نعم ..
ــ ما رقم الغرفة ؟
ــ لماذا .
ــ سأجىء لك بالبديل .. بعد ساعة ..
ــ يا سيدتى هذا مبلغ بسيط .. وماذا أصنع بعملتكم وأنا مسافر غدا ..
ــ ولكن لن آخذ دون أن أعطى ..

ومدت الورقة لتردها .. مع أنها عزيزة جدًا عليها .. كانت كأنها وجدت فى هذه الورقة الضئيلة القيمة كنزا .. كنزا تشترى به زجاجة عطر فرنسية أو شيئا آخر من خصوصيات المرأة .. لا تستطيع الحصول عليه إلا بالدولار ..

وكان الدولار يبرق فى القاعة ويتوهج ويشتعل كالنار الحاميه .. وفى كثير من الحالات يسبب المآسى الإنسانية .. ولعنت العبقريات التى تبيع القيود وتكون السبب فى هذه المآسى » .

* * *

حياة البدوى الوظيفية

استمر البدوى فى العمل بوزارة الماليه منذ التحاقه بها فى 12 / 3 / 1932 ولم يطلب نقله للعمل فى وظيفة اخرى لها صلة بالآداب وفنونه مثلما فعل زملاء آخرين له من الأدباء ، وكان راضيا قانعا بوظيفته إلى أن احيل إلى المعاش لبلوغه سن الستين .

وحياته الوظيفيه كما سطرها بخط يده
تاريخ الألتحاق بالعمل
12 / 3 / 1932
تاريخ التثبيت
1 / 9 / 1934
تاريخ العمل بحسابات الحكومة
9 / 2 / 1938
تاريخ الترقية إلى الدرجة السادسة
1 / 11 / 1949
تاريخ الترقية إلى الدرجة الخامسة
1 / 12 / 1954
تاريخ الترقية إلى الدرجة الرابعة
1 / 3 / 1958
تاريخ الترقية إلى الدرجة الثالثة
30 / 3 / 1961
تاريخ الترقية إلى الدرجة الثانية
29 / 11 / 1962

وشغل وظيفة مراقب عام بوزارة الخزانة

* * *

فى 6 / 1 / 1969 تلقى الخطاب التالى ؟


الأيام الأخيرة

أصيب البدوى بقصور فى الدورة الدموية للقلب ، ورغم ذلك ظل يكتب، وكان يشعر بالانقباض والتشاؤم من توقف الساعة المعلقه فى صالة البيت ، ويطمئن بعد تحرك بندولها ، ويفكر فى الموت كأمر حتمى يقع لكل إنسان .

وقال للأديب محمد جبريل فى الحوار الصحفى الذى اجراه معه بمجلة السياسة الكويتية بعددها الصادر 16 / 2 / 86
(1) « يشعر دائما بأنه سيموت فى الشارع مثلما مات إدجار ألان بو .. صحيح أن الموت واحد ، ولكن الفارق الوحيد بين شبح الأديب الأمريكى ، والشبح الذى أراه ، أن بو وجد كرسيا فى الشارع مات فوقه ، أما أنا ، فلم أشعر أنى سأجد حجرا أرقد عليه »

وكانت آخر رحلة قام بها فى 6 / 6 / 1984 إلى الاراضى المقدسة وحينما عاد من هذه الرحلة بدأ يكتب القصة الدينية ، فكتب قصة سماها « الطوق » وتحكى عن سيدنا موسى منذ ولادته أيام فرعون وحتى ذهاب الرئيس السادات إلى القدس « لم تنشر » والقصة الثانيه باسم « المعراج »
(2)

وكان لا يتخلف عن حضور لجان القصة بالمجلس الاعلى للثقافة وتقول الأديبه صوفى عبد اللّه
(3) « .. أخر مرة كان يجلس أمامى فى الاجتماع منذ 3 أسابيع واثناء جلوسه تدفق الدم من أنفه فوضع منديله عليه ولم يتكلم وعدت به إلى منزله وانا فى غاية الاضطراب »

ويقول الأديب رستم كيلانى بذات الجريدة « إتصل بى تليفونيا يشكرنى على سؤالى عنه وهو مريض بالرغم من ان الاطباء كانوا ينصحونه بعدم الكلام » .

وجاءت إبنة عمه هدى ، جاءت من الخارج لزيارته ، ووجدت الطبيب معه يطمئنه عن حالته فقال له إنى أرى الموت أمام عينى ، وبعد بضعة أيام قليلة ! إنتهى ، إنتهى فى يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر فبراير 1986 بمنزله ونقل جثمانه إلى قريته ـ الاكراد بمحافظة اسيوط ـ حيث دفن بمقابر الأسرة بالجبل الغربى .

* * *

(1) مأخوذ من كتاب آباء الستينيات لمحمد جبريل ـ مكتبة مصر 1995 .
(2) قصة غير كاملة .
(3) ص . الأخيار 19 / 2 / 1986 .







رسائل من أدباء ونقاد إلى محمود البدوى

رسائل من أدباء ونقاد

عن شخصية البدوى . واخلاقياته وسلوك تعامله مع مجتمعه ، سأكتفى بنشر بعض الخطابات الوارده إليه والتى تعطى صورة كاملة عنه .

رسالة الأديب العالمى نجيب محفوظ فى 15 / 10 / 1981



*****



رسالة نعمان عاشور فى 7 / 2 / 1970

div align="center">


نص الرسالة


الكويت فى 7 / 2 / 1970

عزيزى الأخ الحبيب الاستاذ محمود البدوى
شوقى وحبى وعظيم تقديرى الدائم لك ولاخوتك لاحرمنى اللّه ابدا منك ومن عطفك الدائم .
خطابك الثانى ضاعف من قوتى ومنحنى من السعادة مالا يوصف ولست أدرى بأى لسان اشكرك على اهتمامك بى وبصحتى .. متعك اللّه بالعافية على الدوام .



الحمد للّه اننى أتقدم فى طريق الشفاء .. وذلك بفضل ما أحسه من رعايه وأخوه .. منك ومن كافة الاخوان الذين راسلونى بعد اصابتى .. ولا أخالفك أبدا فى عيون الناس وحسدهم .. نجاك اللّه من سوء ما فى البشر .. والبشر الذين نعيش بينهم ويالهم من بشر .. زادهم اللّه قدره على الحسد .. وزادنا مناعة ورد عنا غائلة حسدهم .. ولو علموا أننى هنا فى الكويت طريح الفراش واننى لا اكسب مليما واحدا وأعيش على مرتب زوجتى وهو مهما زاد فلا يمكن إلا ان يكفينا مغبة أفضالهم .. وكذلك كان حالى فى العام الماضى .. فأنا هنا ممنوع من أى عمل أو جهة بحكم اقامتى كمرافق للزوجة .. حسب قانون البلاد نفسه وحسب تصريح الاقامه .. ثم حسب ما ربما تعرفه جيدا عن كرامتى واحترامى لقلمى وفكرى ..

المهم .. سامح اللّه الكل .. والمهم أننى انعم بالاقامه وسط اولادى ومع زوجتى وهم كل وجودى .. كتب اللّه لنا السلامة والعودة بخير فى نهاية الشهور الباقية .. أتعرف أنهم أرسلوا إلى فى الجريدة يطلبون .. اما حضورى أو قطع مرتبى .. وانهم ممتنعون عن نشر ما ارسله من يوميات .. ثم ماذا أقول ..

يا أخى .. حدثنى عن فضل مزعوم لى عليك .. متى كان هذا الفضل وأنت صاحب الفضل كله .. انها رقة احساس بالغة لا تصدر إلا عن فنان فى مثل قامتك وخلقك .. ولا أطيل عليك متعك اللّه بكل صحة وتوفيق وسداد وابقاك لعائلتك وأهلك خير أب وزوج ولنا جميعا أوفى وخير الأصدقاء .

حبى الدائم الخالص وشكرى العميق وتمنياتى بالسعادة لكم ،
أخوك
( توقيع )

رسالة من الصحفى محمد أحمد عيسى فى 27/1/1979:








نص الرسالة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

عزيزى الأخ الفاضل الاستاذ الكبير محمود البدوى
تحيتى .. واشواقى الحاره وتمنياتى لك والأسرة بالصحة والسعادة .. وصلنى خطابك الكريم وأشكر لك شعورك النبيل بسؤالك عن أسرتى .. وهذا فضل لا أنساه وخاصة من يعانى الغربة القاسية مثلى .. وبدأت افكر يا أخى الكريم أننى تسرعت فعلا فى قبول هذه الاعاره والسفر إلى الخارج .. لأننا ـ وان كنا بين قوم من اطيب الناس ـ نعيش حياة تختلف تمام الاختلاف عن الحياة التى اعتدناها وكلها عمل وكلها انفعالات .. هنا الهدوء الكامل الذى لم أعتد عليه ابدا فى حياتى ولعلك تعلم ذلك منذ عرفتنى من سنوات بعيده وطويله .. ولكنها ارادة اللّه ومشيئته ... وقد فوجئت يا أخى الكريم إن الصحافة هنا قليله جدا .. جريده يومية واحده واعتقد مجلة واحدة مما لا يعطينى الفرصة لأمارس نشاطى ولو بالمجان وهذه عقبه كبيرة فى حياتى الجديدة ..

وتذكرنى يا أخى الكريم بلقاء كوبرى رمسيس عندما نلتقى وعلى وجهى ابتسامه المرح .. ولكن آه أين هى الآن إبتسامة المرح .. كل ما أرجوه أن أعود إلى وطنى واصدقائى ـ تحياتى إلى الأخ رستم وعاشور عليش ولك حبى ووفائى والسلام

محمد أحمد عيسى
البحرين
27 / 1 / 79


رسالة الدكتور محمد يوسف نجم فى 21 / 1 / 1964

div>




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نص الخطاب :

محمد يوسف نجم
الجامعة الأمريكيه فى بيروت
بيروت فى :21 / 1 / 64

أخى الكريم الأستاذ محمود

تحية وموده وبعد . لم اسمع اخبارك ولم أقرأ لك شيئا جديدا منذ مدة . لعلك تعد عملا جديدا تفاجئنا به كالعادة .

ما أزال بحاجة إلى المقالات النقدية التى وعدتنى بها . بعد 3 أسابيع سأبدأ فى تدريس الاقصوصه مع تلاميذى ، وأنا مصر على أن يكون لك حظ كبير فى هذه الدراسة ، نظرا لوقوفك شامخا بين كتابنا المحدثين . اعلم انك تتضايق من مسائل البريد ولكن لأجل خاطرى أرجوا أن تضع هذه المقالات فى مغلف وان ترسلها بعنوانى ـ الجامعة الأمريكية ـ وسأستنسخها على الآلة الكاتبه وارسل لك نسخة منها . ارجو أن يصلنى ردّك بالايجاب فى أقرب وقت . ولك الشكر والموده .

من أخيك
( توقيع )

رجاء خاص : لكى تسهل على الطلاب الذين يدرسون قصصك أرجو كذلك ان تختار أحسن عشرين أقصوصة لك تمثل اتجاهك وتطوره منذ بداية الكتابة يكفى ان تذكر الاقصوصه واسم المجموعة فقط .

رسالة من الدكتوره أمينه السعيد فى 19 / 7 / 1936












نص الخطاب :

حضرة الاستاذ الفاضل محمود بدوى

أهديكم تحية صادقة

وأتمنى إلى اللّه أن تكونوا متمتعين بالصحة والهناء ..

وصلنى منذ مدة ليست بالبعيده مؤلفكم ( رجل ) وكنت أحب أن أشكركم فى حينه لولا اننى نزيله مستشفى الاسماعيلية منذ شهرين بسبب مرضى . وها أنا انتهز فرصه تحسن صحتى لإبلغكم شكرى الجزيل واعتذارى عن التأخير وعشمى ان تقبلوا منى هذا الاعتذار ...

اما عن الكتاب فقد قرأته ووجدت فيه لذه ومتعه لأنه صور وان كانت صغيرة إلا انها تمثل الحياة العاديه وهذا أفضل ما يقدمه المؤلف إلى القراء ..

ومعظم الكتاب يصور صراع رجل بين واجبه وقلبه وانتصار الرجوله فى نهاية الأمر ويخيل إلىَّ أنها صوره صادقة لأمر حقيقى فى قلب المؤلف .

فهل صدق ظنى أم أن قدرتك فى التعبير قد صاغتها فى هذا القالب الواقعى .. ؟؟ !!!
على كل اهنئك واتمنى لك دوام النجاح واشكرك من كل قلب .

ودمتم إلى
المطيعه
أمينه السعيد


رسالة الدكتورة أولجا فرولوفا







نص الخطاب

سيدى محمود البدوى المحترم

تحية طيبه وبعد

قد وصلنى خطابك العزيز ، فسررت بسلامة وصولك لأرض الوطن فإن وجودك فى ليننجراد قد أثر علىّ تأثيرا كبيرا . فإننى قد كنت كثيرا ما أقرأ قصصك الجميلة وأتحدث معك بدون أن أراك .

والآن أنا أقرأ فكأننى أسمع صوتك الهادئ الملىء بالهيبة والوقار ، وأتصور رحلتنا إلى متحف الأرميتاج وزيارتكم إلى جامعتنا .

واشكر لك على خطابك والذكرى .

أما أنا ففى الفترة الأخيرة لا أترجم شيئا إلى الروسية لأننى مشغولة بكتابة سلسلة المقالات عن شعراء العاميه فى مصر كما قد أخبرت فى وقت إقامتكم هنا .

فمنذ فترة قصيرة قد نشرت مقالة صغيرة عن الاستاذ طه حسين وهى فى دائرة المعارف العربية التى تنشر هنا الآن .

ولكنى لا أترك الفكرة فى ترجمة القصص ، وفى خطتى أن أترجم بعض القصص لحضرتك كما اريد أن اترجم بعض القصص للاستاذ حلمى مراد من المجموعة التى تشرفت بأن استلم منه هدية غالية .

وكيف أحوال سيادتك ؟ أنشرت قصصا جديدة ؟ أفى نيتك كتابة شىء عن زيارتك إلى الاتحاد السوفيتى ؟ ربما فى شكل قصص كما كان فى مجموعتك السابقة عن زيارتك إلى الشرق الأقصى .

وكل هذه القصص لحضرتك جميله ورائعة .

وكيف احوال اصدقائنا الاستاذ حلمى مراد ومحمود حسن اسماعيل وصلاح عبد الصبور ؟ تحياتى الطيبه لهم .

إننى سأكون فى غاية السرور بأن استلم خطابات من حضرتك وهذا شرف كبير بالنسبه لى .
ومع احسن تمنياتى بالصحة والسعاده والنجاح .

المخلصه اولجافرولوفا